عبد الله أفتات يكتب .. عن الوالد رحمه الله

عبد الله أفتات يكتب .. عن الوالد رحمه الله

عبد الله أفتات

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن للوالد رحمه الله كل هاته المكانة بين الناس ـ أطفالا ونساء ورجالا وشيوخا ـ التي تجاوزت الحي إلى الأحياء المجاورة، إلى المدن والجهات البعيدة، صحيح أن للراحل منزلة ورفعة بل وشأن كبير، إلا أن حضور كل تلك الحشود الغير مسبوقة بالمنطقة إلى جنازة فقيدنا تؤكد حقيقة واحدة هي أن الرجل لم يكن عاديا، بل كان مؤثرا، له أسلوبه الخاص في التعامل مع الناس، الذين لا زالوا يحجون إلى بيته فرادى وجماعات لتقديم التعازي رغم مرور زهاء شهر على وفاته .

كان الوالد رحمه الله، كثير الابتسامة التي هي مفتاح القلوب، وكان مبالغا في المصافحة التي هي لغة العاطفة والأخوة، وكان من أبرز مبادراته إلقاء السلام حيث هو مفتاح العلاقة، كان خدوما رحمه الله، مفعما بالحيوية والنشاط، صاحب الهمة العالية والمهمات الصعبة والمثيرة، رهن إشارة ساكنة الحي، وكان غفر الله له يحظى باحترام باد للجميع، صادق في كلامه وأفعاله ومبادراته المتعددة والتي لا زال أثرها شاهد على شهادتنا الجزئية هاته .

ومع ذلك كانت مفاجأتي كبيرة، وأنا أرى الناس يتدافعون أثناء صلاة الجنازة لحجز مكان داخل المسجد، لدرجة اعتقد معها البعض أن الأمر يتعلق بصلاة الجمعة، وليس صلاة ظهر من ذات خميس، أما أثناء الدفن فكان الأمر مختلف، فيكفي أن نشير إلى أن شباب الأحياء المجاورة للمقبرة قد حجوا وهم يحملون قنينات الماء ولسانهم لا يكف عن الدعاء للوالد، والتذكير بأقواله وأفعاله ومبادراته التي لا حدود لها.

أما بعد الدفن فقد تجمعت ساكنة الحي أمام المنزل، الجميع يذكر بمناقب الفقيد، وكيف كان على استعداد دائم لخدمة الناس؟ وكيف كان أيضا على استعداد للقيام وإنجاز أعمال خيرية بإصرار وتحدي أثار الحاضرين؟ وحكيت بالمناسبة العديد من الحكايات والقصص حول الوالد تغمده الله برحمته، بعضها كنت على علم به وأتتبعه ، في ما وجدت نفسي غائبا عن العديد من العمل الخيري والاجتماعي الذي كان يقوم به أبي رحمه الله، لدرجة أن بعض الأعمال فاجأتني ولم أكن أتصور أن الوالد وببساطته يمكن أن يقوم بها، بل ويعمل على إنجاحها معتمدا على إمكاناته الذاتية وإمكانات المحيطين به ومعارفه وأصحاب الخير والعطاء .

تحدث الناس عن الوالد كثيرا، ولكن بالنسبة لي وأنا الإبن البار والصديق المقرب، لا زالوا لم يوفوا حقه، ولا زال في جعبتي الكثير، الكثير، خاصة وأنا الآن أعيد شريط سنوات خلت، لإعادة تركيب حياة رجل بدا لي أنه لم يكون عاديا كما اعتقد البعض، أو كما كان يراه البعض الآخر، فالوالد كان قياديا في محيطه، مبادرا، مؤثرا، مناضلا سياسيا ونقابيا، مجتهدا، منافسا على فعل الخيرات، وأكثر من هذا لا ينتظر مقابلا ولا مكافأة من أحد، فكان هدفه المصلحة العامة ورضا الله سبحانه وتعالى.

فالوالد بالنسبة لي لم يمت، فهو لا زال بيننا بفضل ما خلفه من أقوال وأفعال تحتاج إلى توثيق، سأعود إليها وبتفصيل وتدقيق، قد يكون عبر عمل أدبي إن شاء الله، لأنه اتضح لي أن الوالد كان صاحب مشروع.

رحمك الله يا أبي وجعلك من الصديقين والشهداء والصالحين.




نشر الخبر :
عدد التعليقات : 0
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار