حراك الريف ونقطة الصفر المستحيلة

حراك الريف ونقطة الصفر المستحيلة

صدى نيوز ـ خالد الصلعي

أبانت الدولة ، أو بتعبير أدق ، أبان النظام ، عن سذاجة فادحة في معالجة مجموعة من الملفات ، وكشفت بشكل مزعج ومقلق ، ويطرح أكثر من علامة استفهام ، عن تأخر كبير في توظيف مختلف العلوم والفنون التي يعتمدها اليوم اي جهاز استخباراتي .مع العلم ان دور الاستخبارات تعاظم في العصر الحديث كثيرا ،وصار اليوم هو الجهاز المهيمن على جميع دول المعمور . فالقصور الكبير الذي أبانت عنه الدولة في معالجة ملف الحراك الريفي ، يجعلنا نقف امام أنفسنا وقفة قلقة ومشفقة في نفس الآن .

فقد اظهر نشطاء الحراك الريفي عن وعي حركي غير مسبوق ، وهو ما سارعت حكومة البغاء السياسي الى التنبيه اليه ، او بعيارة أفصح الى التصريح به ، لأن الواقع تدركه جيدا جميع أجهزة السلطة ، وكل الادارات المغربية ، لكنها تتداوله سرا بينها ، سواء في مكاتب الادارات او في نقاشات داخلية . وبذلك فان العبارة التي جاءت في التصريح الذي أعقب الخرجة الاعلامية المشبوهة لوزراء الاعتلاف - الائتلاف الحكومي ، كانت قد وضعت اليد على اهم مضادات ارادة الهيمنة والسيطرة والتحكم التي تباشرها الأجهزة الحاكمة بيد من حديد في جميع دواليب الدولة .

كانت العبارة تعترف بوجوب التعامل مع عقل مغربي جديد ، عقل مشبع بتأثيرات التكنولوجيا الجديدة ، ووسائط الاتصال الذكية ، وارتدادات الربيع العربي ، وبالتحديد في المغرب ،حركة 20 فبراير . غير أن استمرار معالجة قضية حراك الريف بنفس عقلية الستينيات والسبعينيات ، التي كانت تتأسس على مواجهة محاولات الانقلاب والنزاع على العرش ، بين أحزاب رأت أنها اولى بحكم المغرب ، وبين عائلة وارثة للحكم . جعل سرعة النظام ، في شخص الاستخبارات تجري وراء ، بينما اردة الشعب ، ومنها ارادة نشطاء الريف ، او بعبارة أدق الأغلبية الساحقة من ابناء الريف ، تجري في سياق مضاد وبسرعة فائقة . ما جعل الفرق يظهر شساعته بين ارادة عملية وواقعية ، وبين ارادة ترقيعية ومؤامرتية .

هذه العقلية وهذا التصور لم يبرح ذهنية النظام المغربي الى يومنا . وكل تواترات ملف حراك الريف شاهدة على ذلك . فكل التقارير التي يتم رفعها الى الملك منفوخ فيها ، كما أن الملك الذي لم يحسم في أمر الحراك الى الآن ، ويوظف مناورات اطفائية لاخماد وهج الحراك الريفي ، بوسائل متعددة ، أقصاها الاعتقال ، وأدناها ، أمر باجراء تحقيق في مشاريع مبرمجة للمنطقة ، يجعله في عين العاصفة ، على الأقل أدبيا وسياسيا . ونحن هنا نستعمل السياسة في بعدها الراقي ، وليس في البعد السفلي الذي تشتغل فيه كل الأطياف السياسية المغربية .

لكن وكما نقرأ من خلال الرسائل التي يبعثها قادة الحراك من داخل زنازنهم ، أن الحراك استوطن الراقة الأعمق لشغاف نشطاء الحراك الريفي . وهم يعلمون أن النظام ارتكب أخطاء قاتلة في معالجة الملف . ويعملون الآن على استثمار هذه الأخطاء الغبية ، كتعنيف المعتقلين السلميين ، وتسريب فيديو /فضيحة أحد ابرز قادة الحراك .بالاضافة الى تدويل القضية وعرضها داخل برلمان الاتحاد الأوروبي . والتفاف تنسيقيات الخارج حول عدالة الملف . وهي نفس النقط التي كنت أثرتها منذ أكثر من شهرين في مقال حاولت من خلاله التخفيف من التوتر ومن النتائج التي نتابعها اليوم ، أي منذ قبل انفجار الوضع الذي لا يمكن أن يعود الى نقطة الصفر المستحيلة الا بتنازلات موضوعية ومحقة من قبل النظام . لكن النزام ما يزال ينظر بعين عنترية الى نفسه ، ولم يرتق بعد الى نظام مواطن .

فالقبضة الأمنية الجافة التي خرج بها المسؤولون الأمنيون لاركاع نشطاء حراك الريف جاءت بنتائج عكسية تماما . وورطت النظام حقوقيا ووطنيا وانسانيا . ولا تزال اخطاء النظام تتوالد كبكتيريا هجينة ، كان آخرها ارسال فنانين من الدرجة الخامسة الى الحسيمة بدعوى تنشيط البعد السياحي في المنطقة . وهي قصة تشبه ذاك الذي فقأ عين ابنه فوعده باقتناء نظارة طبية .

وها نحن الآن ،حسب تقديري المتواضع ، أمام الفصل الأخير من الدراما الريفية ، التي لم نكن نريد بلوغ أشواطها الهيتشكوكية ،رغم كل مهازل النظام ووحشيته ومؤاخذاتنا عليه . والكرة الآن في ملعبه ، وعليه ان يبرهن عن طاقاته وقدراته الخارقة لاغلاق الملف .



نشر الخبر :
عدد التعليقات : 0
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار