بقلم: سلمى لوليدة
في فاجعة هزت أركان المجتمع المصري والعربي، تحولت منصة “فيسبوك” من فضاء للتواصل إلى مسرح لمأساة علنية بطلتها الشابة “بسنت سليمان”. ساعة كاملة من البث المباشر، لم تكن مجرد دردشة عابرة، بل كانت “نزيفاً نفسياً” حاداً انتهى بقرار انتحار صادم من الطابق الثاني عشر، لتترك خلفها أسئلة حارقة حول جدوى “التعاطف الرقمي” وهشاشة النفس البشرية أمام غول “السوشل ميديا”.
المفارقة الصادمة في قصة بسنت هي أنها كانت “محاطة” بالآلاف عبر الشاشة، لكنها كانت تعيش “يُتماً وجدانياً” قاتلاً. ساعة من الحديث عن مرارة الطلاق ومعاناة الوحدة لم تشفع لها؛ فبين تعليقات حاولت الثني على استحياء، وأخرى ربما استهانت بالموقف، غاب “المنقذ الحقيقي”. إن هذه الحادثة تثبت أن الخوارزميات، مهما بلغت دقتها، لا تملك قلباً، وأن آلاف “اللايكات” لا تعادل ضمة يد حقيقية في لحظة انكسار.

تضعنا واقعة “بسنت” أمام حقيقة مريرة: الانغماس الكامل في العالم الافتراضي يتطلب “نفسية من حديد”. فالمؤثر الذي يربط استحقاقه الذاتي بردود أفعال المتابعين، يجد نفسه في مهب الريح عند أول أزمة شخصية. الطلاق، بما يحمله من وصم اجتماعي وضغط نفسي، تحول في حالة بسنت إلى وقود للنهاية، لأنها ربما بحثت عن “صك غفران” أو دعم من جمهور قد يرى في المأساة مجرد “محتوى” للمشاهدة.
إن تحول الانتحار إلى “بث مباشر” هو ظاهرة سوسيولوجية مخيفة، تعكس رغبة الضحية في الاحتجاج الأخير على عالم لم يسمع صمتها فقررت أن تجعله يشاهد موتها. وهنا تكمن الخطورة؛ فالاستمرار في عرض الهشاشة النفسية أمام جمهور مجهول الهوية والمشاعر هو مغامرة غير مأمونة العواقب، حيث يختلط “المتعاطف” بـ “المتنمر” بـ “المتفرج” الذي ينتظر الإثارة.
رحلت بسنت سليمان، وتركت لنا درساً قاسياً: السلامة النفسية ليست ترفاً، والبحث عن العلاج في “الافتراضي” هو رهان على السراب. إننا بحاجة ماسة لإعادة الاعتبار للروابط الإنسانية الواقعية، والوعي بأن ما يلمع خلف الشاشات ليس دائماً ذهباً، بل قد يكون قناعاً يخفي خلفه روحاً تحتضر.

