سلمى لوليدة
في موكب علمي مهيب يفوح بعبق التراث المغربي الأصيل، وبمباركة سامية من لدن أمير المؤمنين الملك محمد السادس، نصره الله، رفعت مدينة تارودانت صباح اليوم الستار عن فعاليات الدورة الحادية عشرة للموسم السنوي للمدارس العتيقة. تظاهرة تأتي هذا العام لتكرس الدور الريادي لمؤسسة “سوس للمدارس العتيقة” في صيانة الذاكرة الروحية للمملكة، تحت شعار يحمل في طياته دلالات عميقة: “السيرة النبوية: نبراس ومنهاج”.
احتضنت رحاب قاعة المؤتمرات بالمركب الديني والثقافي للأوقاف مراسيم الجلسة الافتتاحية، التي تميزت بحضور وازن تقدمه والي جهة سوس ماسة، السيد سعيد أمزازي، وعامل إقليم تارودانت، السيد مبروك تابت. كما شهد اللقاء مشاركة لافتة لرموز الشأن الديني بالجهة، يتقدمهم الدكتور عبد الرحمن الجشتيمي، رئيس المجلس العلمي المحلي، ومسؤولو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب ثلة من العلماء والفقهاء وطلبة العلم الذين غصت بهم القاعة، في مشهد يجسد تلاحم الأجيال حول مائدة القرآن والسنة.

لم يكن اختيار موضوع الدورة وليد الصدفة، بل جاء استجابةً للرؤية الملكية المتبصرة التي تضمنتها الرسالة السامية الموجهة للمجلس العلمي الأعلى بمناسبة مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد المصطفى ﷺ ، تلك الرسالة التي أحدثت نقلة نوعية في كيفية التعاطي مع السيرة العطرة؛ حيث لم تعد مجرد محطات تاريخية تُسرد في المناسبات، بل أضحت “مشروعاً مجتمعياً متكاملاً” يهدف إلى استلهام القيم الإنسانية والروحية في تدبير الشأن العام والخاص.
وأكدت الكلمات الافتتاحية أن الهدف الأسمى لهذه الدورة هو الانتقال من “تاريخ السيرة” إلى “فقه السيرة”، عبر استحضار قيم الرحمة والتواضع والتفاؤل، وجعل الهدي النبوي بوصلة أخلاقية لمواجهة تحديات العصر وانعكاساته بوعي وحكمة.
على مدار أسبوع كامل (من 14 إلى 21 أبريل)، ستتحول تارودانت إلى منارة فكرية كبرى، حيث يسطر البرنامج العلمي محاور غنية تتنوع بين:
• التأصيل العلمي: دراسة مناهج تدوين السيرة النبويةوعناية العلماء المغاربة والسوسيين بها.
• البعد الإنساني: تسليط الضوء على القيم الكونية في الهدي النبوي ومحور “نساء من البيت النبوي”.
• التحصين الفكري: مناقشة الشبهات والرد عليها بالحجة والبرهان
ولن يقتصر الموسم على المحاضرات الأكاديمية، بل سيتجاوزها إلى أمسيات قرآنية وروحية تحييها المدارس العتيقة، بالإضافة إلى رحلة تواصلية إلى مدرسة “المهادي” العلمية بالجماعة الترابية الكردان، لربط الحاضر بالماضي وتعزيز الروابط بين طلبة العلم ومرجعياتهم الأصيلة.
تظل المدارس العتيقة في سوس، ومن خلال هذا الموسم السنوي، الحصن الحصين للهوية المغربية القائمة على الوسطية والاعتدال. ومع انطلاق هذه الدورة، تؤكد تارودانت مرة أخرى أنها ليست مجرد مدينة تاريخية، بل هي “عاصمة علمية” تنهل من نبع السيرة النبوية لتضيء دروب المستقبل.

