اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، كانت الأحياء المغربية تستعيد طقوساً خاصة صنعت ذاكرة جماعية ممتدة عبر الأجيال؛ أصوات الباعة في الأسواق، فرحة الأطفال وهم يرافقون الآباء لاختيار “حول العيد”، وروائح الشواء التي كانت تعلن حلول مناسبة دينية وروحية بامتياز. غير أن هذه الشعيرة التي ارتبطت بمعاني التضامن والتقرب إلى الله، أصبحت في السنوات الأخيرة تثير لدى فئات واسعة من الأسر مشاعر القلق والضغط والحيرة، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
فبين ما تمثله الأضحية من قيمة دينية واجتماعية عميقة، وما تفرضه التحولات الاقتصادية من واقع صعب، يعيش الكثير من المواطنين مفارقة مؤلمة حول مناسبة كان يفترض أن تكون عنواناً للفرح والسكينة.
فرحة العيد التي تغيّرت ملامحها
في السابق، كان الاستعداد لعيد الأضحى يتم ببساطة وعفوية، حيث كانت الأسر تدخر مبالغ محدودة لاقتناء الأضحية، بينما كان التضامن العائلي والجيرة يخففان من الأعباء. أما اليوم، فقد تحولت المناسبة لدى البعض إلى “كابوس موسمي” بسبب تكاليف تفوق إمكانيات العديد من الأسر.
فأسعار الأضاحي عرفت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً، نتيجة عوامل متعددة، من بينها توالي سنوات الجفاف، وغلاء الأعلاف، وارتفاع تكاليف النقل والتربية، إضافة إلى تقلص القطيع الوطني بفعل الظروف المناخية والاقتصادية. وهو ما جعل كثيراً من الأسر تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاقتراض للحفاظ على “صورة العيد”، أو التخلي عن الأضحية وتحمل ضغط المجتمع ونظرة المحيط.
بين الواجب الديني والضغط الاجتماعي
ورغم أن الشريعة الإسلامية ربطت الأضحية بالاستطاعة، وأن الدين الإسلامي قائم على التيسير ورفع الحرج، إلا أن العادات الاجتماعية في عدد من المجتمعات جعلت من الأضحية أحياناً معياراً للوضع الاجتماعي أو “واجباً لا يقبل النقاش”، حتى بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود.
ويؤكد عدد من المختصين الاجتماعيين أن مظاهر التفاخر والمقارنات الاجتماعية ساهمت في تغيير فلسفة الشعيرة، حيث أصبح البعض يبحث عن أضحية أكبر حجماً أو أغلى ثمناً، بدل التركيز على البعد الروحي والتكافلي للمناسبة. كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تكريس هذا السلوك من خلال استعراضات وصور خلقت نوعاً من الضغط النفسي غير المعلن على الأسر البسيطة.
الأسر الهشة.. العيد بعيون مختلفة
في الأحياء الشعبية والقرى، تختلف نظرة الكثير من الأسر للعيد عن الصورة الاحتفالية المتداولة. فهناك من يبدأ رحلة البحث عن ثمن الأضحية قبل أشهر، وهناك من يلجأ إلى الاستدانة أو التقسيط، فيما تكتفي أسر أخرى بشراء كميات بسيطة من اللحم لتجنب الإحراج أمام الأطفال.
وتقول إحدى الأمهات: “أصبحنا نفكر في مصاريف العيد أكثر من فرحته. ثمن الخروف، ومصاريف الفحم والملابس والتنقل.. كلها أعباء تثقل كاهل الأسرة”.
أما بعض الآباء، فيعتبرون أن أكبر معاناة لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الأضحية، بل أيضاً بمحاولة الحفاظ على نفسية الأطفال أمام واقع اقتصادي لا يرحم.
هل فقدت الشعيرة معناها الحقيقي؟
يرى متتبعون أن أزمة الأضحية اليوم ليست دينية بقدر ما هي اجتماعية واقتصادية، لأن جوهر الشعيرة قائم على الرحمة والتقاسم والتقرب إلى الله، وليس على الاستعراض أو إنهاك الأسر مادياً.
ويؤكد فقهاء أن الإسلام لم يجعل الأضحية سبباً للمعاناة أو التباهي، بل قرنها بالقدرة والاستطاعة، داعين إلى إعادة الاعتبار للقيم الحقيقية للمناسبة، وعلى رأسها التضامن والتكافل ومراعاة ظروف الفئات الهشة.
كما يطالب كثيرون بضرورة تنظيم الأسواق ومحاربة المضاربة والوسطاء، ودعم مربي الماشية الصغار، حتى لا تتحول هذه المناسبة الدينية إلى عبء اجتماعي موسمي يتكرر كل سنة.
بين الروحانية والواقع
ورغم كل التحولات، ما زال عيد الأضحى يحتفظ بمكانته الخاصة داخل المجتمع المغربي، باعتباره مناسبة دينية وروحية وعائلية بامتياز. غير أن الحفاظ على معانيه النبيلة يقتضي إعادة التوازن بين البعد الديني ومتطلبات الواقع، بعيداً عن المظاهر والضغوط الاجتماعية.
فالأضحية، في جوهرها، ليست اختباراً للقدرة المادية، بل رسالة إيمان ورحمة وتضامن. وعندما تتحول الفرحة إلى قلق، يصبح من الضروري طرح أسئلة عميقة حول كيفية استعادة روح العيد الحقيقية، حتى يبقى مناسبة للسكينة لا موسماً للمعاناة.
شهادة حية لامينة ( اسم مستعار)
امينة تتكلم: “العيد لم يعد كما كان”
وتقول امينة، وهي أم لثلاثة أطفال، إن عيد الأضحى كان في السابق مناسبة ينتظرها الجميع بفرح كبير، قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى عبء ثقيل على كثير من الأسر البسيطة.
وتضيف: “كنا نفرح بشراء الأضحية مهما كان حجمها، لأن الأهم كان لَمّة العائلة وروح العيد، أما اليوم فأصبح الناس يسألون عن ثمن الخروف وسلالته أكثر مما يتحدثون عن معنى الشعيرة نفسها”.
وتتابع بأسى: “هناك أسر تدخل في الديون فقط حتى لا يشعر أطفالها بالنقص أو حتى لا تتعرض لنظرة المجتمع. وهذا أمر مؤلم، لأن الدين لم يفرض الأضحية على من لا يستطيع”.
وترى امينة أن غلاء المعيشة غيّر الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، معتبرة أن “العيد يجب أن يبقى مناسبة للرحمة والتضامن، لا سبباً في الضغط النفسي والخوف من المصاريف”.

