تحرير سلمى لوليدة
لم يعد المستطيل الأخضر مجرد ساحة لتنافس كروي عابر، بل استحال في الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية منصة دبلوماسية وحضارية عابرة للقارات. ومنذ الملحمة التاريخية لأسود الأطلس في مونديال قطر 2022، مروراً بالظفر بشرف تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، والمملكة تصنع لنفسها حيزاً دائمًا تحت أضواء الشهرة العالمية، فارضةً اسمها كقوة رياضية وتنظيمية صاعدة تحظى باعتراف دولي واسع.
شكلت الطفرة الكروية المغربية مادة دسمة للقنوات والمنابر الإعلامية في أوروبا؛ فبعد أن كان “الموديل الكروي” المغربي يُقرأ من زاوية المفاجأة، باتت مراكز التحليل الرياضي والسياسي في مدريد، باريس، ولندن تنظر إلى المملكة باعتبارها “العملاق الإفريقي القادم”.
رؤية أوروبية متجددة: حظي الملف المشترك لمونديال 2030 بإشادة أوروبية واسعة، حيث اعتبرته الأوساط السياسية والرياضية في بروكسل ومدريد جسراً حضارياً غير مسبوق يربط بين ضفتي المتوسط، ويمحو الصور النمطية، مبرزاً المغرب كبلد يتميز بالتسامح، الابتكار، والقدرة العالية على إدارة التحديات اللوجستية الكبرى.
العواصم الأوروبية لم تعد ترى في المغرب مجرد شريك أمني أو اقتصادي تقليدي، بل شريكاً ثقافياً ورياضياً قادراً على صياغة مستقبل كرة القدم العالمية، وتجلى ذلك في الاعتراف الصريح من لدن الهيئات الرياضية الدولية بجاذبية البنية التحتية المغربية التي تضاهي العواصم الأوروبية العريقة.
إن الشهرة العالمية الواسعة التي حصدها المغرب لم تكن وليدة الصدفة أو الطفرة العابرة، بل جاءت نتاج عمل قاعدي دؤوب واستثمارات هيكلية ضخمة نجحت في تغيير الملامح العمرانية والاقتصادية للمملكة بشكل كامل. وتتجلى هذه النهضة الشاملة في ثورة المنشآت الرياضية الكبرى، والتي يتربع على رأسها “ملعب الحسن الثاني” ببنسليمان كأيقونة مونديالية مستقبلية تتسع لـ 115 ألف متفرج ليكون الأكبر عالمياً، إلى جانب التحديث الجذري للمجمعات الرياضية في الرباط، طنجة، وأكادير. وتتكامل هذه الثورة الرياضية مع لوجستيك متطور يسابق الزمن لتوسيع شبكة القطار فائق السرعة (Al Boraq) لربط المدن المستضيفة، بالتوازي مع تأهيل المطارات الدولية والشبكات الطرقية لضمان انسيابية التنقل. ولم تقف هذه الطفرة عند حدود الحجر، بل امتدت لتشمل الاستثمار في الرأسمال البشري عبر الانتقال نحو الاحتراف الرياضي الفعلي بموجب القانون 30.09، واعتماد “أكاديمية محمد السادس لكرة القدم” كنموذج ملهِم في التكوين عالي المستوى، باتت كبريات الأندية الأوروبية تدرسه كآلية ناجعة لصناعة المواهب والنجوم.
إن الرهان المغربي يتجاوز تنظيم مباريات كرة القدم؛ إذ تحول المونديال والاستضافات القارية القادمة إلى مشروع وطني يهدف إلى تعزيز موقع المغرب كبوابة استثمارية وسياحية رئيسية بين إفريقيا والعالم. إنها دبلوماسية “القوة الناعمة” التي تمزج بين القيم الأصيلة للشعب المغربي —من تضامن وجدية وانفتاح— وبين العصرنة والجاهزية الاقتصادية.
إن الشهرة العالمية التي يجنيها المغرب اليوم هي مرآة لنموذج تنموي يتحرك بخطى ثابتة نحو المستقبل. وبينما تتجه الأنظار إلى المملكة كشريك أساسي في صياغة المشهد الرياضي الدولي، يثبت المغرب أن الرياضة، في أسمى تجلياتها، هي المنارة التي تقود قاطرة التنمية المستدامة، والجسر الحقيقي لحوار الحضارات بين الجنوب والشمال.

