بقلم:سلمى لوليدة
تعيش جامعة ابن زهر بمحافظاتها الجنوبية منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسارها المؤسساتي والبيداغوجي، فبعد سنوات من التراكم الأكاديمي والتوسع التدريجي، تدشن الجامعة اليوم دينامية نوعية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: عصرنة العرض الجامعي، تكريس العدالة المجالية، والانخراط العضوي في التنمية المستدامة للأقاليم الجنوبية للمملكة، ولم يعد الأمر مجرد استجابة لضغط ديمغرافي، بل تحول استراتيجي عميق يهدف إلى مواءمة التكوين الأكاديمي مع المخططات التنموية الكبرى ورؤية المغرب المستقبلية.
وتمثلت الشرارة القوية لهذا التحول في المصادقة الحكومية الأخيرة على إحداث عشرين (20) مؤسسة جامعية جديدة، ضمن هندسة مبتكرة لإعادة تنظيم الخريطة الجامعية التابعة للمؤسسة، حيث تأتي هذه الطفرة عبر آلية مزدوجة ترتكز على تقسيم أربع مؤسسات قائمة وإحداث أخرى من “الجيل الجديد”. وبموجب هذا الانتقال النوعي، سينتقل إجمالي المؤسسات التابعة لجامعة ابن زهر من 19 إلى 39 مؤسسة جامعية، وهو رقم ضخم يعكس بجلاء حجم المسؤولية والامتداد الجغرافي الواسع للجامعة، والتي باتت تغطي رقعة ترابية شاسعة تمتد عبر مختلف جهات جنوب المملكة. ولتبيان حجم هذه القفزة، يكفي أن نستحضر أن وتيرة الإحداث خلال السنوات الأربع الماضية لم تتعدَّ مؤسسة واحدة، مما يجعل المرحلة الحالية محطة فارقة و”ثورة هادئة” في بنية التعليم العالي بالمنطقة.

إن العمق الحقيقي لهذا التوسع لا يقاس بالكم فقط، بل بنوعية التخصصات التي تم تبنيها لربط الجامعة بمحيطها السوسيو-اقتصادي؛ إذ تم إحداث ثلاث مدارس للمهندسين من الجيل الجديد بكل من العيون، الداخلة، وأيت ملول، في خطوة تعكس وعياً حاداً بضرورة توطين الكفاءات التقنية لمواكبة الأوراش الاقتصادية والتكنولوجية بجهة سوس ماسة والأقاليم الجنوبية. وتكاملت هذه الرؤية مع تعزيز المنظومة الصحية عبر إحداث كلية لطب الأسنان بأكادير، وهي لبنة استراتيجية ستسهم في تجويد العرض الصحي بالجهة وتكوين أطر طبية متخصصة لتقليص الفوارق الإقليمية، فضلاً عن إحداث معهد لمهن الرياضة استجابةً للمكانة المتنامية التي بات يحتلها القطاع الرياضي كرافعة استثمارية واجتماعية واعدة بالمملكة.
هذه الحركية المتسارعة لم تأتِ من فراغ، بل هي التنزيل الفعلي للمشروع التنموي الجامعي الذي تقدم به رئيس جامعة ابن زهر، الأستاذ نبيل حمينة، والذي نجح في الانتقال بالجامعة من “منطق التوسع المحدود” إلى “منطق الشبكة المتكاملة والمترابطة”. وبموجب هذه الرؤية، أصبحت الجامعة فاعلاً مركزياً في التنمية الترابية، تسهم مباشرة في تقليص الفوارق بين الجهات، وتتيح لشباب الحواضر والقرى الجنوبية فرصاً متكافئة لمتابعة دراساتهم العليا ذات الاستقطاب المحدود بالقرب من محيطهم الأسري والاجتماعي، مفرملةً بذلك نزيف الهجرة الطلابية نحو المدن الجامعية التقليدية.
إن المخرجات العملية القابلة للقياس لهذه الدينامية تؤكد أن الجامعة المغربية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالمرونة والابتكار، فالرسالة الواضحة التي يبعث بها هذا التوسع الاستراتيجي هي أن “جامعة ابن زهر” تعيد رسم موقعها كقاطرة للتنمية؛ تحركها رقمنة المناهج، وتحديث التكوينات، والربط العضوي بسوق الشغل. وإن وصول الجامعة إلى عتبة 39 مؤسسة هو إعلان صريح عن تدشين مرحلة أكثر طموحاً؛ مرحلة تضع الطالب في صلب الاهتمام، وتجعل من المعرفة والبحث العلمي رافعة حقيقية للإنصاف المجالي والجاذبية الاقتصادية لجنوب المملكة الشامخ.

