لم تكن تلك الليلة مجرد انطلاقة لحدثٍ فنيٍّ عابر، بل كانت تجديداً لعهدٍ قطعته عاصمة سوس على نفسها منذ أكثر من عقدين؛ عهدٌ يقضي بأن تظل الأرض الأمازيغية مزاراً للحلم، ومنصّةً تلتقي فيها العراقة بأجنحة التجديد. وفي دورتها الحادية والعشرين، عادت احتفالية تيميتار علامات وثقافات لتنسج من النغم شراعاً، ومن الكلمة جليساً، ومن التنوع الثقافي رسالة حُب لا تخطئها القلوب.
تحت سماء أكادير الساحرة، واحتفاءً بروح المكان، احتضنت المدينة زوارها وأبناءها في ليلة افتتاحية طافحة بالجمال، مؤكدة أن هذا المهرجان لم يعد مجرد منصة للعروض، بل صار هُوية بصرية وصوتية تسكن وجدان الساكنة.

ولأن «تيميتار» يتجاوز الترفيه ليصبح رافعةً تنموية وثقافية تسهم في صناعة إشعاع الجهة، شهدت السهرة الافتتاحية حضوراً رسمياً رفيع المستوى تقدمه الدكتور سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة وعامل عمالة أكادير إداوتنان، والسيد عزيز أخنوش، رئيس المجلس الجماعي لأكادير، إلى جانب لفيف من الشخصيات المدنية والعسكرية والمنتخبة، في مشهد يترجم الرهان الوطني على الثقافة كجسِر للانفتح والارتقاء.
تجلّت عبقرية البرمجة في قدرتها على إدارة الحوار الفني بين مختلف الأجيال والألوان الغنائية، حيث تنقل الجمهور بين ثلاث محطات بصرية وصوتية تأسر الألباب:
افتُتحت الاحتفالية بصلوات إيقاعية جسدتها فرقة «أحواش تفرخين»، التي نسجت أجساد أعضائها وحركاتهم لوحاتٍ تراثية حية، تعتصر أصالَة التربة الأمازيغية وتمنح المهرجان بصمته الهوياتية الخالدة.
أما على المنصة الكبرى، فقد كان الجمهور على موعد مع نبض الحداثة؛ حيث أشعل الفنان لارتيست حماس الآلاف بمزيجه الغنائي الفريد، مازجاً بين اللغتين الأمازيغية والفرنسية والإيقاعات المغربية العصرية. وفي إطلالة فاضت تواضعاً وقرباً، تبادل لارتيست كلمات المحبة مع الحاضرين، بمشاركة متميزة من الفنان آدم وضيفته صوفيا المريخ، وبصحبة مايسترو وموسيقيين أثروا الليلة بعزفٍ ساحر.

تُثبت الدورة الـ21 لمهرجان «تيميتار» أن الفن حين يحمل الهوية يستطيع أن يتكلم كل لغات العالم؛ فقد ظلت أكادير —وستبقى— بوصلةً تُشرق منها الشمس الأمازيغية لتعانق أنغام الكوكب، وتكتب قصيدتها الخالدة في سجل الثقافة العالمية.
