وجدت عاملة بإحدى وحدات تحويل وتثمين المنتجات البحرية بأنزا، المملوكة لمستثمر أجنبي، نفسها خارج عملها بعد نحو 27 سنة من الخدمة والعمل والجد والمثابرة داخل الوحدة، إثر قرار بطردها على خلفية اتهامها بسرقة علبتين من المنتجات، لا تتجاوز قيمتهما، بحسب المعطيات المتداولة، 700 درهم، في واقعة تقول المعنية بالأمر إنها تقوم على تهمة ملفقة ولا تستند إلى أدلة قاطعة، ولا وجود فيها لحالة تلبس، ولا وجود حتى للعلب التي قيل إنها تعرضت للسرقة.
وتتعلق القضية بعاملة أفنت سنوات طويلة من حياتها في العمل داخل الوحدة، قبل أن تجد نفسها أمام قرار الطرد، في ظروف تعتبرها مجحفة، خصوصاً أنها تنفي ارتكاب السرقة وتؤكد عدم وجود حالة تلبس ولا حجز للمسروق، بل تهم جاهزة وملفقة للتخلص منها.
وتطرح هذه القضية، بحسب ما أفادت به المعنية بالأمر، أسئلة حول ظروف العمل داخل بعض وحدات تثمين وتحويل المنتجات البحرية، وحول مدى حماية العاملات والعمال من القرارات الجاهزة التي قد تنهي مساراً مهنياً يمتد لعقود.
اتهام بالسرقة دون تلبس
وتتمسك العاملة بأن الاتهامات الموجهة إليها لا تستند إلى أدلة مادية، معتبرة أن مجرد أقوال الشهود لا يمكن أن تكون وحدها أساساً لإدانتها، خصوصاً أن هؤلاء الشهود جاهزين للادلاء بالشهادات الكاذبة ويوجدون، بحسب روايتها، تحت سلطة المسؤولين داخل الوحدة.
كما تطرح المعنية بالأمر تساؤلات حول طبيعة الواقعة نفسها، معتبرة أن الحديث عن سرقة المنتجات يفترض إثبات خروجها من الوحدة، ومشيرة إلى أن ثبوت الواقعة بالشكل الذي يتم الترويج له يستوجب أيضاً توضيح مسؤولية باقي الأطراف المرتبطة بنقل المنتجات، بما فيها سائق الشاحنة والحارس.
27 سنة تنتهي بقرار طرد
ولا تتوقف تداعيات القضية عند الجانب المهني، فالعاملة تعيل أسرة بأكملها، كما تتكفل بابن يعاني من اضطراب نفسي، وتتحمل تكاليف السكن والمعيشة الخاصة به، ما يجعل فقدان مصدر دخلها ضربة قاسية لها ولأسرتها.
وبالنسبة إلى عاملة قضت أكثر من ربع قرن في العمل، ولم يسجل عليها، بحسب المعطيات التي تستند إليها، أي اختلالات أو تجاوزات أو أعمال سرقة طيلة مسارها المهني الذي امتد لربع قرن، فإن قرار الطرد بناء على تهمة تقول إنها ملفقة، وفي غياب استدعاء الشرطة وحجز المسروق، لا يمثل مجرد نهاية لعلاقة مهنية، بل يهدد مصدر عيش أسرة بأكملها، في وقت تواجه فيه الأسر ذات الدخل المحدود ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء الاجتماعية.
وتعتبر العاملة أن حالة الخوف من الانتقام أو فقدان العمل أصبحت عاملاً مؤثراً في قدرة العاملات والعمال على الدفاع عن حقوقهم، خصوصاً إذا كان مصير من يعترض أو يتحدث عن ظروف العمل هو الطرد.
وتقول المعطيات المرتبطة بالقضية إن حالة العاملة ليست الأولى من نوعها، بل تمثل الحالة الثالثة للطرد التي تثير انتقادات وتساؤلات داخل محيط الوحدة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول ظروف العمل والحماية الاجتماعية والنقابية للعاملات في القطاع.
حين يتحول الخوف إلى وسيلة للسكوت
وتتجاوز قضية العاملة حدود نزاع فردي حول الطرد، لتطرح سؤالاً أكبر حول وضعية العاملات في قطاع صناعي يحقق رقم معاملات مهماً ويستفيد من تطور صادرات المنتجات البحرية.
ومع ذلك تستمر معاناة عاملات وحدات تثمين المنتوجات البحرية للهشاشة والاستغلال وعدم تحسين ظروف العمل رغم تطور القطاع.
فإذا كانت العاملة التي قضت 27 سنة في العمل يمكن أن تنتهي مسيرتها بهذه الطريقة، فإن السؤال المطروح هو: ما مدى حماية العاملات والعمال الذين لا يملكون سوى أجورهم لتأمين قوت أسرهم؟
فرغم أن القطاع يدر أموالاً مهمة ويقوم بتسويق منتوجاته في السوق الوطنية وتصدير جزء مهم منها، فإن تحسين ظروف العمل والأجور لم يعرف إلا تحسناً طفيفاً جداً، بارتباطها بالزيادات التي تقرها الدولة في إطار نتائج الحوار الاجتماعي، بينما المستثمرون والمسؤولون الكبار يكسبون مكتسبات مهمة، من زيادات في الأجور والمنح والتعويضات، من تطور القطاع.
والحلقة الضعيفة هم العاملات اللواتي يعشن تحت وطأة الاستغلال وتدهور ظروف العيش والتقدم في السن والارتفاع المهول في الأسعار، مما يجعل أثر الحياة يزداد ثقلاً وصعوبة.
أما ظروف أفراد عائلات العاملات والعمال، الذين يعيشون في أحياء عمالية هشة ومفتقرة لأدنى ظروف العيش الكريم من البنيات التحتية ووسائل النقل الملائمة والآمنة وغيرها، فلا من يفكر فيهم إلا خلال مناسبة الانتخابات حين يتم احتساب عدد المصوتين.
ومما يزيد الوضع هشاشة الطرد التعسفي الذي تتعرض له العاملات بسبب آرائهن ومواقفهن من بعض الممارسات المشينة التي تتركز في هذه الوحدات الصناعية، لتدويم الاستغلال والتعسف.
وكل تصفية للعمال القدامى دون رد فعل قوي من باقي العمال فهو توسيع للهشاشة في المجتمع وتقوية مباشرة لمزيد من الاستغلال وتكميم الأفواه المنادية بالكرامة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، كما ينادي بذلك جلالة الملك في خطاباته إلى الشعب وفي البرلمان.
لكن إذا تجاوزت ضغوطات المسؤولين بهذه المؤسسات حداً محتملاً، فإن التوتر يزداد يوماً بعد يوم ويولد نتائج عكسية لما تصبو إليه الدول التواقة إلى التطور والنمو والرقي إلى مصاف الدول الراقية، خاصة وأن المغرب يعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية لتوفير ظروف اجتماعية ملائمة لتنظيم كأس العالم 2030.
وأمام العاملات والعمال فرصة لتوحيد صفوفهم/هن لوقف نزيف التشريد ومسلسل الهشاشة في قطاع منتج ومتطور ومدر للأرباح، وأمام مسؤولي الوحدة فرصة لوقف التعنت وفتح صفحة جديدة مع ضحايا الطرد التعسفي، بما يضمن احترام الحقوق المهنية والاجتماعية، ويفتح المجال لمعالجة الخلافات في إطار الحوار والقانون.
فبعد 27 سنة من العمل، لا تطالب العاملة، وفق روايتها، سوى بأن يتم التعامل مع قضيتها على أساس الأدلة والقانون والحق في الدفاع، لا على أساس اتهام ترى أنه ملفق، وأن تحصل على إجابة واضحة بشأن مصير مسار مهني قضته داخل الوحدة.

