بقلم حليمة شعبيطة//
في السنوات الأخيرة، باتت ظاهرة العزوف عن السياسة في المغرب تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، خاصة في أوساط الشباب. ورغم تعدد المبادرات الرسمية والمدنية الرامية إلى تعزيز المشاركة السياسية، فإن مؤشرات الاهتمام بالشأن العام، والانخراط في الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات، ما تزال دون المستوى المأمول، مما يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب هذا العزوف ودلالاته.
تشير استطلاعات وآراء متقاطعة إلى أن جزءاً مهماً من المغاربة، خصوصاً الفئة العمرية ما بين 18 و35 سنة، لا يرون في العمل السياسي وسيلة فعالة للتغيير. هذا الإحساس تغذيه عدة عوامل، أبرزها ضعف الثقة في الفاعلين السياسيين، وغياب الوضوح في البرامج الحزبية، إضافة إلى الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بشكل ملموس على تحسين الأوضاع المعيشية.
كما يلعب السياق الاجتماعي والاقتصادي دوراً محورياً في هذا العزوف؛ إذ يجد العديد من الشباب أنفسهم منشغلين بتحديات يومية مرتبطة بالشغل والتعليم والقدرة الشرائية، ما يجعل الاهتمام بالسياسة ترفاً مؤجلاً في نظرهم. ويزيد من تعقيد الوضع، ما يعتبره البعض فجوة بين الخطاب السياسي والواقع، حيث تغيب قنوات التواصل الفعالة بين المواطنين وممثليهم.
في المقابل، لا يمكن إغفال دور التحولات الرقمية في إعادة تشكيل علاقة المغاربة بالسياسة. فوسائل التواصل الاجتماعي أضحت فضاءً بديلاً للتعبير والنقاش، لكنها في الوقت ذاته ساهمت في انتشار خطاب نقدي حاد، وأحياناً ساخر، تجاه المؤسسات السياسية، مما يعزز مشاعر النفور بدل الانخراط.
ويرى متتبعون أن تجاوز هذا الوضع يقتضي إعادة بناء الثقة عبر تجديد النخب السياسية، وتحسين حكامة الأحزاب، وتقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ. كما أن تعزيز التربية على المواطنة داخل المنظومة التعليمية، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الفعلية في صنع القرار، من شأنه أن يحد من هذا العزوف.
في المحصلة، لا يعكس عزوف المغاربة عن السياسة لامبالاة بقدر ما يعبر عن موقف نقدي تجاه ممارسات قائمة. وهو ما يستدعي مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للعمل السياسي كأداة للتغيير، وتُقنع المواطن بأن صوته ليس فقط مسموعاً، بل مؤثراً أيضاً.

