لقد شكل المجلس الوزاري الأخير، المنعقد تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك، حفظه الله، محطة مفصلية في مسار ترسيخ الجهوية المتقدمة بالمغرب. فقد صادق المجلس على مشروع قانون تنظيمي يغير ويتمم القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، مواكبةً لإطلاق “الجيل الجديد” من برامج التنمية الترابية المندمجة، وهو ورش إصلاحي طموح يجسد الإرادة الملكية السامية في جعل تحسين ظروف عيش المواطنين وصون كرامتهم الغاية القصوى لأي سياسة عمومية.
هذا الإصلاح الدستوري والمؤسساتي تتويج طبيعي لمسار طويل من النقاش والتفكير العميق، يستحضر بشكل خاص التوصيات الجوهرية للمناظرة الوطنية الأولى للجهوية بأكادير، والمناظرة الثانية بطنجة. حيث دعت هاتان المحطتان الفكريتان والسياسيتان إلى ضرورة الانتقال من اللامركزية الإدارية البسيطة إلى جهوية متقدمة قوية ومنتجة، قادرة على معالجة التفاوتات المجالية وتحقيق تنمية شاملة ومنصفة.
إن جوهر هذا الورش الإصلاحي يكمن في إعادة هندسة آليات التنفيذ لضمان النجاعة والشفافية. فالانتقال من “الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع” إلى “شركات مساهمة” يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات، يمثل نقلة نوعية ذكية. فهي خطوة تروم الجمع بين صرامة الرقابة العمومية ومرونة وكفاءة التدبير المستمدة من القطاع الخاص، مما يسرع وتيرة الإنجاز ويرفع من جودة المشاريع. ولا يفوتني، هنا، أن أنوه بالتجربة الرائدة للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة سوس ماسة التي كانت نموذجاً يحتذى به، رغم حداثتها؛ حيث أبانت الأطر التقنية والإدارية الكفؤة للوكالة عن قدرة استثنائية على تنزيل مشاريع بنيوية كبرى، رغم التحديات، مما أثبت أن الهياكل الحالية قدمت جهوداً جبارة وضعت اللبنات الأولى لنجاح هذا التحول نحو شركات المساهمة الأكثر مرونة.
وعلى مستوى الحكامة، يعزز المشروع الجديد دور العامل كرئيس للجنة المحلية لضمان الانسجام مع الحاجيات الحقيقية للسكان، ودور الوالي في تنسيق البرامج على مستوى الجهة، بينما تتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة المصادقة النهائية والتقييم. كما أن تخصيص غلاف مالي يقدر بـ 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات.
إنشاء منصة رقمية للشفافية وتتبع المشاريع، يعكس جدية الدولة في ربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان حسن تدبير المال العام.
باختصار، إن تعديل القانون التنظيمي للجهات وإطلاق برامج التنمية الترابية المندمجة ليسا مجرد إجراءات إدارية، بل هما رهان استراتيجي لتحقيق عدالة مجالية حقيقية؛ إنه انتقال من منطق “التوزيع” إلى منطق “الإنتاج والتنمية”، مستفيداً من الدروس المكتسبة وتجارب النجاح السابقة كما هو الحال في جهة سوس ماسة، لبناء مغرب الجهوية القوية، المنتجة، والقريبة من المواطن.
لذلك، نحن، في مجلس النواب على موعد مع هذا المشروع قانون لمناقشته العامة والتفصيلية وتقديم التعديلات من أجل تجويده قبل التصويت عليه.

