رشيد حموش / إنزكان آيت ملول
في أجواء وطنية مهيبة طبعها الاعتزاز بمسار سبعة عقود من العطاء، خلدت أسرة الأمن الوطني بالمنطقة الأمنية لإنزكان، اليوم السبت، الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني (16 ماي 1956 – 16 ماي 2026). الحفل الذي احتضنته كواليس عمالة إنزكان آيت ملول تميز بحضور وازن تقدمه عامل الإقليم، إلى جانب رئيس المحكمة الابتدائية ووكيل الملك بها، وثلة من المسؤولين القضائيين، المنتخبين، والفعاليات المدنية والعسكرية بجهة سوس ماسة.
لم يكن الحفل مجرد بروتوكول سنوي، بل شكل محطة رمزية متجددة لاستحضار تضحيات نساء ورجال الأمن المرابطين في الشوارع والمحاور الحيوية لإنزكان، والوقوف عند تطلعات مؤسسة أمنية ولدت غداة الاستقلال، لتتحول اليوم إلى حصن حصين يحمي بيوت المغاربة ومقدساتهم بكل تفان وإخلاص.
تأتي هذه الذكرى السبعون في سياق وطني متسارع، يواصل فيه جهاز الأمن الوطني ثورته الهادئة نحو التحديث وعصرنة بنياته. المقاربة الأمنية المعاصرة لم تعد تقتصر على التدخل البعدي، بل أصبحت “استباقية” بامتياز، ترتكز على فلسفة “شرطة القرب” والإنصات الميداني للمواطن.
وقد توقفت عروض الحفل عند الطفرة النوعية التي حققتها المديرية العامة على مستوى الحكامة والتحول الرقمي للخدمات الشرطية؛ إذ برزت خلال الحصيلة السنوية منجزات بنيوية فارقة، لعل أبرزها:
عصرنة المسطرة القضائية: تعميم النظام المعلوماتي الخاص برقمة المحاضر وحوادث السير.
الشرطة العلمية: تطوير مختبرات الشرطة التقنية لضمان عدالة جنائية ترتكز على الحجة العلمية الدقيقة.
أمن الحقوق: كفالة وتكريس البعد الحقوقي في الوظيفة الأمنية، بما يوطد جسور الثقة بين المؤسسة والمجتمع ويحمي الحريات العامة.
في قراءة سريعة للامتداد الجغرافي للاستراتيجية الأمنية الرامية لمكافحة الجريمة وتفكيك شبكاتها، كشفت المؤشرات السنوية الخاصة بسنة 2025 عن تراجع ملموس وغير مسبوق في معدلات الجريمة العنيفة، يقابله تحسن قياسي في نجاعة التدخلات الميدانية وسرعة استجابة قاعات القيادة والتنسيق (الخط 19). هذه الأرقام تعكس بالملموس كفاءة التكوين الأساسي والمستمر الذي يستثمر في العنصر البشري باعتباره الركيزة الأولى لأي تحديث مرفقي.
الأبعاد الدولية للنموذج الأمني المغربي كانت حاضرة بقوة في هذا المحفل الرمزي بإنزكان؛ حيث تم تسليط الضوء على الإشعاع الدولي للمملكة كفاعل موثوق وشريك استراتيجي في منظومة الأمن العالمي. هذا الاعتراف توج بنجاح المغرب الاستثنائي في احتضان الدورة الـ93 للجمعية العامة لمنظمة “الإنتربول” بمراكش أواخر سنة 2025، وهو الحدث الذي أثبت للعالم مدى مهنية وخبرة الأجهزة الأمنية المغربية في تجفيف منابع الإرهاب والجريمة المنظمة عابرة الحدود.
اختتمت فعاليات الذكرى السبعين بإنزكان بتجديد العهد والولاء لعرش أسلافه المنعمين، والتأكيد على أن مفهوم “الشرطة المواطنة” ينبني بالأساس على الانفتاح والتواصل المستمر مع المحيط البشري والمجتمع المدني. فالأمن، كما تم التأكيد عليه، ليس مجرد وظيفة قطاعية، بل هو “مسؤولية جماعية المشترك” تضمن استقرار ونماء الوطن تحت القيادة الرشيدة والسديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية

