بقلم : حليمة شعبيطة
في كل موسم يرتفع فيه الطلب على الماشية، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى، يعود إلى الواجهة اسم “الفراقشية”، ذلك الوسيط الذي تحول في نظر كثير من المواطنين من مجرد حلقة بين الكساب والمستهلك، إلى عنوان للمضاربة وارتفاع الأسعار. وبين مطرقة الغلاء وسندان ضعف القدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام سوق تتحكم فيه أحيانًا قواعد غير واضحة، وأسعار تتغير من ساعة إلى أخرى دون مبرر مفهوم.
الفراقشي في الأصل كان يؤدي دورًا تقليديًا داخل الأسواق الأسبوعية، يسهّل عمليات البيع والشراء ويقرب وجهات النظر بين البائع والمشتري. غير أن الواقع اليوم تغيّر بشكل كبير، إذ أصبح بعض الوسطاء يتحكمون في أثمنة الأضاحي والمنتجات الفلاحية بطرق تثير الكثير من الجدل، مستغلين حاجة المواطنين وضغط المناسبات الدينية والاجتماعية.
العديد من الأسر المغربية باتت تشتكي من الارتفاع الصاروخي للأسعار، ليس فقط بسبب تكاليف التربية أو النقل أو الأعلاف، بل بسبب تعدد الوسطاء وغياب مراقبة حقيقية للأسواق. فالفلاح البسيط يبيع بثمن معين، لكن القطيع يصل إلى المستهلك بسعر مضاعف، وبينهما تتدخل شبكات من السماسرة والمضاربين الذين يحققون أرباحًا كبيرة دون أي قيمة مضافة حقيقية.
شهادات من قلب السوق
يقول عبد القادر، موظف وأب لثلاثة أطفال، وهو يتجول داخل أحد أسواق بيع الأضاحي:
“كل سنة نأتي بنية شراء أضحية تناسب دخلنا، لكننا نفاجأ بارتفاع الأسعار بشكل غير مفهوم. الكساب يقول إن الفراقشية هم السبب، ونحن كمواطنين لا نعرف الحقيقة، فقط نرى أن الأسعار أصبحت فوق طاقتنا.”
أما فاطمة، ربة بيت، فتؤكد أن الأمر لم يعد يقتصر على الأضاحي فقط، مضيفة:
“حتى الخضر والفواكه لم تعد أسعارها مستقرة. هناك من يشتري المنتوج بثمن بخس من الفلاح ثم يبيعه بأضعاف الثمن داخل المدن، وفي النهاية المواطن هو من يؤدي الفاتورة.”
ومن جهته، قال أحد مربي الماشية بسوق أسبوعي بضواحي أكادير:
“الفلاح الصغير هو الآخر متضرر. نبيع الأغنام بأثمان معقولة بسبب تكاليف الأعلاف والجفاف، لكن عندما تصل للمستهلك ترتفع بشكل كبير بسبب كثرة الوسطاء.”
في المقابل، يرى بعض الوسطاء أن تحميلهم كامل المسؤولية أمر غير منصف، حيث أوضح أحدهم:
“نحن أيضًا نتحمل مصاريف النقل والتنقل والكراء والمبيت داخل الأسواق، ولسنا وحدنا سبب الغلاء، فهناك عوامل كثيرة تتحكم في الأسعار.”
ورغم الحملات التي تقوم بها السلطات في بعض المناطق لمراقبة الأسواق وظروف البيع، إلا أن كثيرين يرون أن الحل لا يكمن فقط في التدخل الموسمي، بل في وضع آليات دائمة لحماية المستهلك، ودعم الفلاح الصغير، وتقليص عدد الوسطاء الذين يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه.
إن حماية المواطن اليوم لم تعد مطلبًا اقتصاديًا فقط، بل أصبحت ضرورة اجتماعية أيضًا، لأن استمرار الغلاء يهدد التوازن الأسري ويزيد من شعور الناس بالقلق وفقدان الثقة في السوق. وبين المواطن البسيط والفراقشي، تبقى الحاجة ملحة إلى سوق منظم، ورقابة فعالة، وسياسات تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

