
لم يكن خطاب العرش المجيد في ذكراه السابعة والعشرين مجرد محطة لتقييم حصيلة قرابة ثلاثة عقود من الحكم الراشد، بل جاء بمثابة “بيان استراتيجي لملامح الدولة الحديثة”؛ صاغ فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رؤية حاسمة تزاوج بين عمق القراءة السياسية، وشجاعة الطرح الاقتصادي، ونبل الغاية الاجتماعية.
إنه خطاب القطع مع “ثقافة التشكيك”، والعبور نحو عصر “السيادة الوطنية الشاملة”، ممثلا نقطة تحول مفصلية تستعد من خلالها المملكة لإطلاق دورة تنموية جديدة تستشرف آفاق ما بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
الثقة والاستقرار: الرأسمال غير المادي للمملكة
في عالم يموج بالاضطرابات وتقلبات الجيوسياسة، وضع الجلالة الاستقرار المؤسساتي والأمني للمغرب في مرتبة “الرأسمال الاستراتيجي الأغلى”. ولم يكن هذا التوصيف مجرد انطباع، بل قراءة واعية لواقع جعل من الاستقرار المغربي “عملة نادرة” وقاطرة جلب الاستثمارات العالمية.
ومن هذا المنظر الملكي الحصين، وجه الخطاب ضربة موجهة لخطابات اليأس والإحباط، داعياً إلى استبدالها بـ “عقيدة الثقة”؛ ثقة تُبنى على النقد الذاتي، المتابعة الدقيقة، ونتائج الميدان التي أثبتت أن النجاح المغربي هو ثمرة تخطيط استراتيجي تراكمي وليس محض مصادفة.
ثورة التصنيع والسيادة: عندما يتكلم الأرقام والمنطق
اقتصادياً، رسم الخطاب معالم قفزة نوعية نقلت المغرب من خانة التبعية إلى مربع “السيادة الإنتاجية”. فقد جاء كشف الأرقام حاملاً لدلالات عميقة:
نسبة نمو متصاعدة: تسجيل معدل 4.9% سنة 2025 مع آفاق واعدة لسنة 2026، كدليل على صلابة النسيج الاقتصادي.
الريادة القارية: احتلال المغرب المرتبة الأولى إفريقيا في صناعة السيارات بطاقة إنتاجية تلامس مليون سيارة سنوياً.
السيادة التكنولوجية: تجاوز صادرات السيارات والطيران حجز 40% من إجمالي الصادرات، مع الدخول الفعلي لنادي الدول المصنعة لمكونات الطيران، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.
إنها ليست أرقاماً عابرة، بل إعلان رسمي عن تحول الاقتصاد المغربي نحو الصناعات التنافسية ذات القيمة المضافة العالية، والاعتماد على الذات في أوقات الأزمات العالمية.
حماية المواطن: الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية في قلب المعركة
ولم تكن الأرقام الاقتصادية الكبرى لتغفل البعد الإنساني، بل توجت بحرص ملكي سامٍ على جعل “المواطن” الغاية والوسيلة. فقد أكد الجلالة أن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بتحقيق الأمنين المائي والغذائي؛ حيث نجحت الصناعات الغذائية والدوائية الوطنية في تغطية 80% من الحاجيات المحلية، مما يوفر درعاً واقياً ضد تقلبات الأسواق الدولية.
وعلى التوازي، جاء التأكيد الصارم على استمرارية ورش التغطية الاجتماعية وتطوير العنصر البشري؛ إذ وجه الملك رسالة مباشرة للقطاع المالي والمصرفي للضخ الأمثل للدماء في شرايين المقاولات الصغرى والمتوسطة، تحفيزاً للابتكار وضماناً لعدالة مجالية تشمل كافة جهات المملكة.
دبوماسية الشراكات المتوازنة ورؤية المستقبل
خارجياً، أثبتت الرؤية الملكية أن المغرب يمارس “دبلوماسية الند للند”، القائمة على تنويع الشراكات، واستقلالية القرار الوطني، والوفاء للتعهدات، مما جعل المملكة شريكاً دولياً يحظى بالاحترام والوثوقية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، بعث جلالة الملك برسالة طمأنة سياسية كبرى: إن المشاريع الكبرى للدولة هي خيارات استراتيجية طويلة المدى عابرة للحكومات. فالهدف الأسمى هو ديمومة الإصلاح، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة عبر “دورة تنموية جديدة” أكثر شمولاً وصلابة.
يقدم خطاب العرش الـ27 قراءة تاريخية لمسار دولة واثقة من خطواتها، تخط بمداد من عزيمة وثبات معالم “الموديل التنموي المغربي”؛ نموذج يجمع بين الحداثة والتراث، ويجعل من الثقة والاستقرار، والتصنيع، والعدالة الاجتماعية، أركاناً لنهضة مغربية لا تعرف التراجع.
