بقلم : سلمى لوليدة
يُعتبر موسم مولاي عبد الله أمغار (إقليم دكالة/الجديدة) واحدًا من أكبر التجمعات الشعبية والتراثية في المغرب، حيث يستقطب سنوياً مئات الآلاف من الزوار وتتحول فيه الجماعة إلى مدينة من الخيام، تتعالى فيها زغاريد الخيل وصهيل التبوريدة. ولكن ورغم هذه القيمة التاريخية والثقافية الضاربة في القدم، يظل الموسم محطّ سجال ونقاش حادين بين من يراه مظهراً للهوية والذاكرة الوطنية، وبين من ينتقده بشدة جراء الممارسات الدينية والاجتماعية التي ترافق أيامه.
من الناحية التراثية، يُشكل الموسم واجهة حية لفن التبوريدة والصقارة، ومناسبة للرواج الاقتصادي والسياحي بالمنطقة. فهو ليس مجرد تجمع عابر، بل ظاهرة شعبية تعكس الارتباط بالأرض والتقاليد المغربية الأصيلة، وفرصة لأسر كثيرة لصلة الرحم والترويح عن النفس وسط أجواء احتفالية استثنائية.
في المقابل، يُواجه الموسم انتقادات شرعية واسعة من طرف علماء ودعاة وعامة المواطنين الذين يرون في بعض السلوكيات المرافقة له خروجاً عن تعاليم الإسلام. وتتلخص أبرز هذه المؤاخذات الدينية في:
-التبرك بالأضرحة والقبور: طقوس الذبح لغير الله، وطلب القضاء والشفاء من غير الخالق، وهو ما يُصنّفه الكثيرون ضمن دائرة الشرك والبدع.
-اختلاط المفاهيم: خلط الدين الشعبي القائم على الخرافة والأسطورة بالدين الإسلامي الصافي المبني على التوحيد.
على الصعيد الاجتماعي والأمني، يُشكل الاكتظاظ الهائل بيئة خصبة لظهور سلوكيات خطيرة ومجرمة بقوة القانون، ما يُفسد فرحة الكثيرين ويحول الفضاء إلى بؤرة للتجاوزات:
-السرقة والنشل: استغلال الازدحام الشديد وسرقة ممتلكات الزوار والخيام.
-التحرش والاستغلال: مضايقة النساء والفتيات والمساس بحرمة العائلات.
-انتشار الفساد والمخدرات: اتخاذ بعض الأماكن الخلفية لترويج الممنوعات وتعاطي مسكرات وأفعال منافية للأخلاق العامة.
إلى جانب المشاهد الاحتفالية، تكشف المساحات الخلفية لمدينة الخيام عن واقع ناعمٍ ولكن قاسي، يتحول فيه التخييم العشوائي إلى بيئة خصبة لانتهاكات خطيرة وتجاوزات تمس سلامة المواطنين وصحتهم من بينها بؤر إجرامية وانفلات أخلاقي:
تستغل بعض الأطراف الهامشية غياب الرقابة المباشرة داخل بعض الخيام البعيدة لتتحول إلى ملاذ مجهول للهرب من الأعين، حيث تنشط ممارسات الإدمان، وترويج الممنوعات، وصولاً إلى تسجيل حالات من الاستغلال والاعتداءات الجسدية والجنسية التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في ظل غياب الحماية الكافية.
-غياب المرافق الصحية وتداعياته على سلامة الغذاء:
تتضاعف المعاناة الإنسانية بسبب غياب أو قلة المرافق الصحية والحمامات العمومية المتنقلة، مما يضطر الكثيرين للتنقل نحو الشاطئ في ظروف غير آمنة، أو اللجوء إلى حلول بدائية وعشوائية كحفر حفر داخل الخيام لقضاء الحاجة.
هذه السلوكيات الاضطرارية تُشكل كارثة بيئية وصحية حقيقية:
-انتشار السموم والبكتيريا: تؤدي هذه الممارسات إلى تلوث الأتربة والبيئة المحيطة داخل نطاق العيش الصغير.
تهديد سلامة الأكل والشرب: يتم إعداد الوجبات وطهي الأطعمة في نفس الفضاءات الضيقة والمحاطة بالتلوث، مما يعرض الأغذية للبكتيريا ويُهدد صحة الزوار والمقيمين بحالات مسممة وإصابات معوية خطيرة.
إن استمرار هذه الظواهر البيئية والسلوكية يسيء بشكل مباشر للبعد الإنساني والصحي للموسم، مما يستوجب حزماً أكبر من الجهات التنظيمية لتوفير البنيات التحتية الأساسية (المرحاض، شبكات الماء، ونقاط النظافة)، إلى جانب التكثيف الأمني داخل أزقة الخيام لحماية أرواح وسلامة الزوار.
في ختام المطاف، لا يمكن إنكار أن موسم “مولاي عبد الله أمغار” يختزل جزءاً حياً من الذاكرة الجماعية والتراث اللامادي للمغرب، وهو موروث يستحق الصيانة والاستمرار. غير أن الاستمرار لا يعني بأي حال من الأحوال إغماض العين عن التجاوزات التي تحوله، في نظرات الكثيرين، من مظهر للتراث إلى بؤرة للفوضى والانفلات الأخلاقي والصحي.
إن صيانة هذا التراث اليوم أصبحت مشروطة بـ إرادة حقيقية للتطهير والتنظيم ،فلن يستقيم احتفاء بـ”التبوريدة” والتاريخ على حساب عقيدة المواطن، وسلامته الجسدية، وكرامته الإنسانية.
إن الرهان الحقيقي أمام القائمين على تدبير هذا الموسم لم يعد يقتصر على حجم الإقبال الأسبوعي أو عدد الفرسان المشاركين، بل في مدى القدرة على فرض سيادة القانون، وتوفير بنيات تحتية تصون كرامة الزائر، وإعادة الهيبة لديننا وقيمنا وصحتنا العامة. فالموروث الثقافي الأصيل يُصان بالحكمة والمسؤولية، لا بالتغاضي عن الخطيئة تحت شعار “الاحتفال”.

