سوس ماسة – متابعة
أعاد تدبير عدد من الملفات داخل مجلس جهة سوس ماسة إلى الواجهة النقاش حول حدود الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات بين المنتخبين والمصالح الإدارية، في ظل تساؤلات متزايدة بشأن الطريقة التي يتم بها تدبير بعض الملفات المرتبطة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والصناعة التقليدية والتكوين.
وتشير معطيات متداولة إلى ارتباط هذه الملفات باعتمادات مالية مهمة، تقدر بحوالي ملياري سنتيم سنوياً، وهو ما يطرح، في حال ثبوت هذه المعطيات، أهمية التأكد من وجود الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة لتدبير هذه الاعتمادات، واحترام مساطر التفويض والاختصاص، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بين المنتخب والإدارة.. أين تنتهي الصلاحيات؟
ويأتي هذا النقاش في سياق تغييرات عرفتها الإدارة خلال الفترة الأخيرة، شملت تنظيم عدد من الملفات وإعادة ترتيب بعض الاختصاصات وتجديد مهام بعض الموظفين، وهي إجراءات يفترض أن تتم وفق القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة لعمل المؤسسات الجهوية وإدارتها.
غير أن هذه التحولات فتحت، بحسب المعطيات الواردة، نقاشاً حول طبيعة العلاقة بين المنتخبين والمصالح الإدارية، وحدود تدخل كل طرف في تدبير الملفات الإدارية والموارد البشرية.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن وضوح الاختصاصات لا يمثل مجرد مسألة إدارية، وإنما يشكل أحد الأسس الضرورية لضمان حسن سير المرفق العمومي، وتفادي تداخل المسؤوليات، وحماية الإدارة من أي ارتباك قد يؤثر على مردودية العمل المؤسساتي.
ومن بين النقاط التي أثارت نقاشاً داخل محيط المجلس، ما يتم تداوله بشأن تغييرات طالت مهام بعض الموظفين وتجريد آخرين من مسؤوليات كانت موكولة إليهم، إلى جانب حديث عن ضغوط ومحاولات للتأثير على بعض العاملين بالإدارة.
غير أن هذه المعطيات، في غياب توضيحات رسمية أو وثائق منشورة تؤكد تفاصيلها، تبقى في إطار ما يتم تداوله، الأمر الذي يجعل من الضروري التعامل معها بحذر، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية قبل إصدار أي حكم أو استنتاج نهائي.
إن تدبير المؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاعتمادات المالية والموارد البشرية، يتطلب وضوحاً دقيقاً في المسؤوليات والاختصاصات، حتى لا تختلط الأدوار بين الجانب السياسي والجانب الإداري.
فالمنتخب يمارس مهامه في إطار الاختصاصات التي يمنحها له القانون، بينما تضطلع الإدارة بتنفيذ المهام الإدارية وفق القواعد والمساطر الجاري بها العمل. وكلما كان هذا الفصل واضحاً، كلما أمكن تعزيز النجاعة والشفافية والحد من مظاهر الالتباس.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر داخل جهة سوس ماسة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد صراع سياسي أو شخصي، بل يمكن أن يشكل مناسبة لفتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول كيفية تدبير الملفات، وضمان احترام الاختصاصات، وتعزيز آليات المراقبة والحكامة.
وأمام تعدد المعطيات المتداولة، يبقى الرهان الأساسي هو تقديم توضيحات رسمية للرأي العام حول طبيعة الاختصاصات المتعلقة بهذه الملفات، وحقيقة الاعتمادات المرتبطة بها، والأساس القانوني لأي تفويض أو تدخل في تدبيرها، إضافة إلى توضيح الإجراءات المتخذة بخصوص الموظفين والموارد البشرية.
فوضوح المعلومة لا يخدم طرفاً دون آخر، بل يخدم المؤسسة نفسها ويعزز ثقة المواطنين فيها.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة أي مؤسسة منتخبة لا تقاس فقط بحجم المشاريع والاعتمادات التي تدبرها، وإنما أيضاً بمدى احترامها للقانون، ووضوح مسؤولياتها، وقدرتها على ضمان حكامة رشيدة وشفافة تخدم المصلحة العامة.
ويبقى من حق الرأي العام، في إطار القانون والمسؤولية، أن يعرف كيف تُدار الملفات والاعتمادات، ومن يتحمل المسؤولية عن القرارات، وما هي الضوابط التي تضمن أن تظل الإدارة الجهوية في خدمة المواطن والتنمية، بعيداً عن أي تداخل أو تضارب في الاختصاصات

