في لحظة فارقة تشهدها جهة سوس ماسة، سقطت الأقنعة وتجلت الحقيقة العارية أمام العيان: التنمية الجهوية والأوراش الملكية الاستراتيجية في كفة، والحسابات السياسية الضيقة والمصالح الشخصية لبعض منتخبي المجلس الجهوي في كفة أخرى.
ففي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن يرتدي هؤلاء النواب نظارات المسؤولية الوطنية ويشمروا عن ساعد الجد لتتبع الملفات الحيوية للجهة والتعجيل بتنزيل المشاريع التي ينتظرها الشارع السوسي بشغف، اختاروا الانسحاب التدريجي والهرولة وراء الاستحقاقات التشريعية. فضّلوا التفرغ لحملاتهم الانتخابية وتأمين كراسيهم وتجميع الصفات والمناصب، تاركين مصالح الساكنة معلقة، وكأن الشأن الجهوي مجرد مطية أو ورقة ضغط يساومون بها لخدمة طموحاتهم الشخصية.
وأمام هذا العبث المؤسساتي والاستهتار بالمسؤولية، لم يكن من الخيار أمام السلطة الولائية، بقيادة والي جهة سوس ماسة، إلا التدخل الصارم والحازم لإعادة الأمور إلى نصابها. فقد أبان الوالي عن التزام مؤسساتي وأخلاقي استثنائي، رافضاً أن تقع الجهة رهينة لمزاجية نواب يتذكرون التنمية فقط حين تشتهي حساباتهم الانتخابية ذلك.
لقد وقف والي الجهة كحصن لحماية المرفق العام، وقام بالعمل الحقيقي الذي كان يجب على المنتخبين القيام به. فرض انضباطاً صارماً وأنقذ “دورة أكتوبر” من حالة الفراغ والشلل التي تسبب فيها غياب نواب الرئيس الملتشين بانتخاباتهم. لقد أثبت والي سوس ماسة بما لا يدع مجالاً للشك أن رجالات الدولة الحقيقيين هم من يقفون في أوقات الأزمة لضمان استمرار تنزيل الرؤية الملكية السامية، في حين يتوارى تجار الصفات خلف الشعارات الفارغة.
إن الواقعة التي شهدتها جهة سوس ماسة تضعنا مجدداً أمام حقيقة مرّة: تعدد المهام وتكديس المناصب لدى نفس الأشخاص هو الداء العضال الذي يعطل عجلة التنمية. كيف لشخص يجمع بين صفة برلماني ونائب رئيس جهة وعضو في مجالس أخرى أن يمتلك الوقت أو الرغبة الصادقة في خدمة المواطن؟
إنها “ازدواجية المهام” التي تفرخ الفشل والتماطل، وتصنع مسؤولين بصفات متعددة وأداء ضعيف! لقد أثبت هؤلاء النواب أنهم لا يسعون للخدمة العمومية بقدر ما يسعون للاستحواذ على المواقع؛ فإذا ناداهم صندوق الاقتراع ركضوا خلفه، وإذا دعتهم تنمية الجهة تعللوا بكثرة الأجندات والالتزامات!
لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد هناك مجال للمداهنة أو التبرير. إن الشارع السوسي والفعاليات الحية تعلنها مدوية اليوم: كفانا من مهزلة تكديس الصفات لكائنات سياسية أثبتت عجزها الميداني!
نريد مسؤولين يتفرغون لمهامهم، يملكون من الحس الوطني ما يجعلهم يفضلون تنمية سوس ماسة على المقعد البرلماني. وما قام به والي الجهة هو درس قاسٍ لكل هؤلاء المنتظرين، ومفاده أن الدولة قوية بمؤسساتها الوطنية، وأن التنمية لن تتوقف بسبب نواب فضّلوا مصالحهم الذاتية على أمانة الصوت والمسؤولية.

