تشهد المملكة المغربية خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة في موقعها داخل خارطة الهجرة الدولية، حيث لم تعد فقط بلداً مصدّراً لليد العاملة، بل أصبحت أيضاً فضاءً للاستقبال والعبور والاستقرار بالنسبة لآلاف المهاجرين واللاجئين القادمين أساساً من دول إفريقيا جنوب الصحراء. هذا التحول البنيوي يفرض إعادة التفكير في أدوار الفاعلين المؤسساتيين، وفي مقدمتهم النقابات، في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية لهذه الفئات، وضمان إدماجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
الهجرة بالمغرب: من العبور إلى الاستقرار
اعتمد المغرب منذ سنة 2013 سياسة جديدة للهجرة واللجوء، قائمة على مقاربة إنسانية وحقوقية، همّت تسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين، وتمكينهم من الولوج إلى الخدمات الأساسية كسوق الشغل، التعليم، والصحة. غير أن هذه السياسة، رغم إيجابياتها، ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بواقع الاندماج الاقتصادي، خاصة في ظل انتشار العمل غير المهيكل، وضعف الحماية الاجتماعية.
هنا تبرز أهمية الفاعل النقابي، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية في الدفاع عن حقوق العمال، سواء كانوا مغاربة أو أجانب، نظاميين أو في وضعية هشّة.
النقابات المغربية أمام سؤال الهجرة
تاريخياً، انشغلت النقابات المغربية، مثل الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بالدفاع عن قضايا الشغيلة الوطنية، في سياق صراع اجتماعي واقتصادي داخلي. غير أن التحولات التي عرفها المغرب فرضت توسيع هذا الأفق ليشمل فئات جديدة من العمال، من بينهم المهاجرون واللاجئون.
وقد بدأت بعض النقابات فعلاً في إدماج هذا البعد، عبر:
فتح باب الانخراط أمام العمال المهاجرين؛
تنظيم حملات تحسيسية حول الحقوق الشغلية؛
تقديم الدعم القانوني في حالات الاستغلال أو الطرد التعسفي؛
الانخراط في شبكات دولية للدفاع عن حقوق العمال المهاجرين.
الهشاشة المضاعفة: واقع العمال المهاجرين
يواجه المهاجرون في سوق الشغل المغربي مجموعة من الإكراهات المركبة، تتقاطع فيها الهشاشة القانونية مع الاستغلال الاقتصادي. فكثير منهم يشتغلون في قطاعات غير مهيكلة (البناء، الفلاحة، الخدمات)، دون عقود عمل أو تغطية صحية، ما يجعلهم عرضة لانتهاكات متعددة.
كما أن ضعف الوعي بالحقوق، وحواجز اللغة، والخوف من فقدان العمل أو التعرض للترحيل، عوامل تحدّ من انخراطهم في العمل النقابي، وتضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم.
في هذا السياق، تطرح المسألة النقابية تحدياً مزدوجاً: كيف يمكن للنقابات أن تستقطب هذه الفئة؟ وكيف يمكن أن تدافع عن حقوقها دون أن تُتهم بمنافسة اليد العاملة الوطنية؟
النقابة كرافعة للإدماج الاجتماعي
يمكن للنقابات أن تلعب دوراً محورياً في إدماج المهاجرين واللاجئين، ليس فقط عبر الدفاع عن حقوقهم المهنية، بل أيضاً من خلال:
تعزيز ثقافة التضامن بين العمال، بغض النظر عن الجنسية؛
المساهمة في محاربة التمييز داخل أماكن العمل؛
الترافع من أجل سياسات عمومية أكثر شمولاً؛
التعاون مع الجمعيات المدنية والمنظمات الدولية لتقديم خدمات متكاملة.
إن النقابة، بهذا المعنى، تتحول من إطار تقليدي للدفاع المطلبي، إلى فاعل اجتماعي شامل، يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتماسكاً.
بين النص القانوني والممارسة الميدانية
رغم أن التشريعات المغربية لا تمنع انخراط الأجانب في العمل النقابي، إلا أن الممارسة تكشف عن محدودية هذا الحضور. فعدد المهاجرين المنخرطين في النقابات ما يزال ضعيفاً، مقارنة بحجمهم داخل سوق الشغل غير المهيكل.
كما أن بعض النقابات لم تطور بعد آليات فعالة للتواصل مع هذه الفئة، سواء من حيث اللغة أو الوسائط أو طبيعة الخطاب. وهو ما يستدعي إعادة النظر في الاستراتيجيات التنظيمية، والانفتاح على مقاربات جديدة أكثر شمولاً.
رهانات المستقبل: نحو نقابة منفتحة ومتعددة
تطرح العلاقة بين المسألة النقابية والهجرة في المغرب رهانات كبرى، من أبرزها:
إعادة تعريف مفهوم الشغيلة ليشمل كل من يبيع قوة عمله، بغض النظر عن جنسيته؛
تطوير آليات الإدماج النقابي للمهاجرين، عبر التكوين، والتحسيس، والمواكبة؛
تعزيز الشراكات الدولية مع النقابات في بلدان الأصل والعبور؛
الترافع من أجل إصلاحات قانونية تضمن الحماية الشاملة لجميع العمال؛
مواجهة خطاب الكراهية والتمييز داخل المجتمع وسوق الشغل.
إن المسألة النقابية في المغرب، في علاقتها بملف الهجرة، تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النقابات على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. فإما أن تنخرط في هذا الورش الجديد، وتعيد صياغة أدوارها بما ينسجم مع قيم العدالة والمساواة، أو تظل حبيسة مقاربات تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة واقع متعدد ومعقد.
وفي زمن تتقاطع فيه الحدود الجغرافية مع تحديات إنسانية كبرى، تظل النقابة، إذا ما أحسنت قراءة المرحلة، جسراً ضرورياً بين الحقوق والعمل، وبين الكرامة والانتماء.

