بقلم: دة. سعاد السبع
لم يعد عيد الأضحى في كثير من البيئات الاجتماعية مجرد مناسبة دينية تتجلى فيها قيم الطاعة والتقرب إلى الله وصلة الرحم والتكافل الإنساني، بل أصبح عند فئات واسعة موسما مثقلا بالضغوط النفسية والاجتماعية، ومجالا خصبا للمقارنة والتفاخر وإثبات المكانة داخل المجتمع. فمع اقتراب العيد، تبدأ موجة من القلق الجماعي الصامت تتسلل إلى البيوت وتضغط على الأسر المحدودة الدخل حتى صار بعض الناس يقترضون المال، أو يبيعون جزءا من أثاث المنزل، أو يدخلون في أزمات مالية خانقة فقط حتى لا يظهروا بمظهر “العاجز” أمام أعين الآخرين.
إن التحولات التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة جعلت العديد من الشعائر الدينية محاطة بتمثلات اجتماعية متشابكة، حيث لم تعد قيمة الأضحية تُقاس أحيانا ببعدها الروحي أو بمعانيها الإيمانية، بل بحجمها وثمنها وسلالتها وطريقة عرضها أمام الناس. وهنا تتحول الشعيرة تدريجيا من فعل تعبدي بسيط إلى ما يشبه “الاستعراض الاجتماعي” الذي يخضع لمنطق النظرة المجتمعية أكثر مما يخضع لجوهر الدين نفسه.
ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الإنسان داخل المجتمع لا يستهلك الأشياء فقط لحاجته إليها، بل أحيانا ليستعملها كوسيلة لإثبات المكانة والتميّز الاجتماعي. وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح خلال فترة عيد الأضحى، حين يصبح الحديث عن ثمن الأضحية ونوعها جزءا من المنافسة الرمزية غير المعلنة بين الأفراد والعائلات، وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بما يشتريه لا بما يحمله من قيم إنسانية أو أخلاقية.
وفي العمق النفسي فإن الكثير من السلوكات المرتبطة بالمغالاة في اقتناء الأضحية لا تصدر دائما عن رغبة حقيقية، بل عن خوف دفين من الأحكام الاجتماعية ومن نظرات الآخرين وتعليقاتهم. فالفرد داخل الجماعة يسعى غالبا إلى تجنب الشعور بالنقص أو الإقصاء الرمزي، لذلك قد يرهق نفسه ماديا حتى يحافظ على صورة اجتماعية “مقبولة”. وقد وصف عالم النفس الاجتماعي إرفينغ غوفمان الحياة الاجتماعية بأنها نوع من “إدارة الانطباع”، حيث يحاول الإنسان باستمرار تقديم صورة معينة عن ذاته أمام الآخرين حتى لو كانت بعيدة عن واقعه الحقيقي.
ومن هنا نفهم كيف أصبح بعض الناس يعيشون العيد كاختبار اجتماعي مرهق أكثر منه مناسبة روحانية مريحة. فبدل أن يحل العيد السكينة داخل البيوت، يتحول أحيانا إلى مصدر للتوتر والخلافات الأسرية والضغط النفسي، خصوصا حين يشعر رب الأسرة بأنه مطالب بتحقيق صورة مثالية تفوق إمكانياته الواقعية. وتزداد حدة هذا الضغط في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي حولت تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة للعرض والمقارنة، حيث أصبحت صور الأضاحي وطقوس العيد جزءا من سباق خفي نحو الاعتراف الاجتماعي وإثبات “القدرة”.
إن الخطير في الأمر ليس فقط العبء الاقتصادي، بل أيضا التحول القيمي الذي يمس الوعي الجمعي بشكل تدريجي. فحين يصبح الإنسان مستعدا للتضحية باستقراره النفسي وراحته المادية من أجل إرضاء المجتمع، فإننا نكون أمام اختلال في ترتيب الأولويات، وأمام هيمنة قوية لمنطق الصورة الاجتماعية على حساب التوازن النفسي والعقلاني. وقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى أن المجتمع يمتلك سلطة رمزية قادرة على توجيه سلوك الأفراد والتأثير في اختياراتهم حتى حين تكون تلك الاختيارات مرهقة أو غير منطقية.
كما أن بعض الأسر أصبحت تعيش نوعا من “العنف الرمزي” المرتبط بالمقارنات الاجتماعية، حيث يتم تقييم الأشخاص ضمنيا وفق قدرتهم الشرائية خلال المناسبات الدينية، مما يعمق الإحساس بالحرج والدونية لدى الفئات الهشة. والأسوأ أن هذا الضغط قد يُورث للأطفال أيضا فينشؤون وهم يربطون قيمة المناسبات الدينية بالمظاهر والاستهلاك، لا بالمعاني الروحية والتضامنية التي شُرعت من أجلها.
إن الدين في جوهره لم يجعل الأضحية وسيلة لإذلال الإنسان أو إدخاله في الضيق والعسر، بل ارتبطت دائما بمفهوم الاستطاعة واليسر ورفع الحرج. غير أن التمثلات الاجتماعية المبالغ فيها جعلت الكثيرين يخلطون بين التدين الحقيقي وبين الخضوع لانتظارات المجتمع. وهنا يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للبعد الروحي والإنساني للشعائر الدينية، وتحريرها من منطق التباهي والاستهلاك والاستعراض.
فالمجتمعات لا تُقاس بحجم ما تستهلكه في المناسبات، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان النفسية والاجتماعية، وعلى ترسيخ قيم التراحم والتوازن والوعي. وربما نحن اليوم في حاجة حقيقية إلى مراجعة جماعية هادئة تعيد للأعياد معناها البسيط والعميق حتى لا تتحول المناسبات الدينية إلى مواسم للضغط النفسي والتنافس الاجتماعي الصامت.

