بقلم: سلمى لوليدة
مع انطلاق قطار الامتحانات الإشهادية، وتحديداً محطة الامتحان الجهوي الموحد، استنفرت المنظومة التربوية كل ترسانتها البشرية واللوجستيكية لضمان “تكافؤ الفرص” ومحاربة الغش. وهو مسعى نبيل ومطلوب لا يختلف عليه اثنان لحماية مصداقية الشهادة الوطنية.
لكن من قلب قاعات الامتحان، وخلف الستار التنظيمي الذي يراه العموم، تصدمنا مفارقة غريبة تسائل الجانب التربوي والإنساني: هل تحولت آليات الرصد والمراقبة البيروقراطية إلى مصدر تشويش ورعب يستهدف تركيز التلميذ، عوض أن يحميه؟ وهل باتت هذه الأجواء المشحونة سبباً في نفور المتعلمين من فكرة التعليم والتقويم برمتها؟
لنأخذ مادة التربية الإسلامية كنموذج حي وملموس؛ مادة خُصص لها غلاف زمني ضيق لا يتعدى ساعة ونصف (90 دقيقة)، وهي مدة مشحونة أصلاً بتوتر طبيعي. في هذا الحيز الزمني الحرِج، يعيش التلميذ على إيقاع “اقتحامات” متتالية لخصوصية طاولته وورقته، حيث تُنتزع منه الكراسة أربع مرات متتالية لغايات إدارية جافة؛ تبدأ العملية بسحب الورقة في الدقائق الأولى لتمرير “الترميز” (الباركود)، وما إن يحاول المترشح استجماع أفكاره حتى تُسحب منه الكراسة مجدداً لختمها بـ”كاشي” المؤسسة بعد اعتماد نظام الكراسات، ليعقب ذلك دخول المسؤول عن عملية التوأمة الإدارية (الجيوملاج) لانتزاع الورقة والتدقيق فيها للمرة الثالثة، قبل أن يكتمل المشهد باقتحام الفريق الإقليمي أو الجهوي المكلف بمحاربة الغش حاملاً أجهزة الكشف الإلكتروني. هذا التقطيع التنفيذي العشوائي، بمعدل إجراء كل 22 دقيقة، يجعل من المستحيل على أي ذهن بشرى أن يحافظ على تدفقه واسترساله.
إن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في تشتيت الوقت، بل في “سيكولوجية الرعب” التي ترافق هذه الإجراءات. فعمليات التفتيش والاقتحام المتكررة باتت تتم أحياناً بأسلوب يفتقر لأبسط قنوات الاحترام التربوي؛ حيث يُعامل المترشح مسبقاً كمتهم حتى تثبت براءته. يضاف إلى هذا الوضع دخول آلات الرصد الإلكتروني على الخط، وهي أجهزة تفتقر للدقة وتستفزها أبسط الأشياء، كقرص ضوء، أو زر قميص معدني، أو قطعة حديد صغيرة في الأدوات المدرسية، لتطلق إنذاراً كاذباً يتبعه ارتباك واستنفار يزرع الرعب والخوف في نفوس تلاميذ، الكثير منهم أبرياء ولم يفكروا يوماً في الغش. هذا المناخ البوليسي داخل فضاء يُفترض أنه تربوي، يضع ضغطاً نفسياً رهيباً يطيح بما تبقى من ثقة لدى التلميذ، ويحرمه من حقه الأساسي في التركيز والطمأنينة.
إن تحويل قاعة الامتحان إلى ساحة لتجريب آليات المراقبة المتداخلة، دون مراعاة الجانب السيكولوجي للمترشح والمس بكرامته كمتعلم، يضرب في العمق فلسفة التقويم، ويخلق جيلاً مستنفراً ينفر من التعليم ويرى في الامتحان عدواً وليس محطة تقييم.
إن التساؤل المشروعي الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح التلميذ مجرد “فأر تجارب” لآلات وقرارات إدارية جافة تلهث وراء الأرقام والمظاهر التنظيمية؟ إن حماية الامتحانات لا ينبغي أن تتم على حساب الهدم النفسي للمتعلمين. الأمن الإداري مطلوب، لكن الأمن النفسي والتربوي للتلميذ فرض عين؛ فبين محاربة الغش وحماية التركيز، شعرة رفيعة تسمى “الإنسانية”، وهي أصل كل فعل تربوي سليم.

