أكادير – بقلم: سلمى لوليدة
تتحول أحياء مدينة أكادير ومعها مدن إنزكان والدشيرة، مباشرة بعد زوال يوم عيد الأضحى، إلى مسرح مفتوح يضج بالحياة والحركة. إنه زمن “بوجلود” أو “بيلماون”، الطقس الأمازيغي العريق الذي يرفض الانكسار أمام رياح الحداثة، محولاً جلود الأضاحي إلى أقنعة فنية تجوب الشوارع وسط هالة من الأسطورة والفرجة.

“بوجلود” ليس مجرد احتفال عابر، بل هو طقس تراثي يعود لقرون مضت، حيث يرتدي الشباب جلود الماعز والأغنام بعد تنظيفها بعناية، ويضعون أقنعة تجسد شخصيات خرافية. تاريخياً، ارتبط هذا التقليد بمعتقدات شعبية ترى في “قائمة” الخروف رمزاً للبركة وطرد النحس، بينما يراه باحثون شكلاً من أشكال التعبير الحر الذي يتيح للفرد نقد الظواهر الاجتماعية خلف قناع التنكر.

رغم شعبيته الجارفة، لا يزال “بوجلود” يثير نقاشاً فكرياً ودينياً حاداً كل عام ،يرى المعارضون أن هذا النوع من التنكر قد يحمل شبهة “التشبه بالحيوانات” وينافي التكريم الإلهي للإنسان، معتبرين إياه دخيلاً على روح الشعيرة الدينية لعيد الأضحى.
في المقابل، يدافع الأكاديميون والنشطاء الثقافيون عن “بيلماون” كونه جزءاً لا يتجزأ من الهوية اللامادية الأمازيغية. ويؤكد المدافعون أن الأمر لا يعدو كونه “فنّاً أدائياً” يهدف إلى الترفيه والحفاظ على الذاكرة الجماعية، بعيداً عن أي أبعاد عقائدية، داعين إلى ضرورة هيكلة هذا الموروث لحمايته من العشوائية.
خلال أيام العيد، تتحول أكادير إلى مغناطيس يجذب الزوار من مختلف المدن المغربية وحتى السياح الأجانب. تشهد الشوارع حركية استثنائية وازدحاماً لافتاً، إذ تتوافد العائلات لمتابعة الكرنفالات الكبرى في “إنزكان” و”الدشيرة” و”تراست”. هذا الإقبال لا يقتصر على المشاهدة فقط، بل ينعش الرواج الاقتصادي المحلي، حيث تكتظ الفنادق والمقاهي، وتنتعش تجارة الحرف اليدوية المرتبطة بالأقنعة والإكسسوارات.

وأمام هذا التوسع الكبير، انتقل “بوجلود” من ممارسة عفوية بالأحياء إلى مهرجانات كبرى تخضع لتنظيم دقيق. تبذل السلطات المحلية بجهة سوس ماسة، بتنسيق مع جمعيات المجتمع المدني، مجهودات جبارة لتأطير هذه التظاهرات. ويشمل ذلك تخصيص مسارات محددة للاستعراضات، وتكثيف الحضور الأمني لضمان سلامة المواطنين ومنع أي سلوكيات قد تسيء للتقليد. هذا التوجه نحو “المأسسة” يهدف إلى تحويل “بيلماون” من مجرد فرجة شعبية إلى منتوج ثقافي وسياحي عالمي يحترم القوانين والقيم العامة، مع الحفاظ على بصمته الهوياتية الأصيلة.
