تحرير سلمى لوليدة
لم تعد ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في شوارع مدينة أكادير مجرد منظر عابر أو إزعاج ليلي يطير النوم من جفون الساكنة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى كابوس حقيقي يهدد السلامة الجسدية للمواطنين، ويسائل بجدية نجاعة التدخلات التدبيرية للمجالس المنتخبة والسلطات المحلية في واحدة من أهم الحواضر السياحية بالمملكة.

في كل مكان تقريباً؛ من الأحياء السكنية الهامشية إلى كبرى الشوارع الرئيسية، وصولاً إلى محيط المؤسسات التعليمية والمنطقة السياحية والشريط الساحلي، تفرض قطعان الكلاب الضالة “قانونها” الخاص. وبات المواطنون، وبشكل خاص الأطفال والنساء والمسنون، يعيشون تحت رحمة الخوف والترقب، جراء الهجمات المتكررة لهذه الحيوانات التي أصبحت تتحرك في مجموعات كبيرة تثير الذعر.
ولم يقف الأمر عند حدود التهديد النفسي، بل سجلت المدينة في محطات متعددة حالات اعتداء وعض تطلبت تدخلاً طبياً مستعجلاً، مما يرفع من منسوب القلق بخصوص انتشار أمراض خطيرة وعلى رأسها “داء السعار” (الجهل)، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الصحي للمواطنين.
تأتي هذه المعضلة البيئية والأمنية في وقت تشهد فيه عاصمة سوس طفرة تنموية غير مسبوقة بفضل “برنامج التنمية الحضرية لأكادير”، الذي ضُخت فيه ملايير الدراهم لإعادة هيكلة المدينة وتأهيلها لتصبح قطباً اقتصادياً ووجهة سياحية رائدة، تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية.
وهنا تبرز المفارقة الصارخة كيف لمدينة راقية ومتميزة، تستقطب آلاف السياح المغاربة والأجانب وتستعد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى (كأس إفريقيا ومونديال 2030)، أن تترك شوارعها وفضاءاتها العامة ومحيط فنادقها المصنفة مستباحة من طرف قطعان من الكلاب؟
إن هذا الوضع لا يسيء فقط لجمالية الحاضرة، بل يضرب في الصميم المجهودات المبذولة للتسويق الترابي للمدينة كوجهة آمنة وجذابة.
أمام استمرار هذا الوضع المقلق، يتصاعد منسوب الغضب في الشارع الأكاديري، وتتناسل التساؤلات المشروعة حول غياب حلول جذرية وصارمة من طرف الجهات الوصية والمجلس الجماعي للمدينة.
ويرى متتبعو الشأن المحلي أن المقاربات المعتمدة حالياً، والمنبثقة من الاتفاقيات الإطار المتعلقة بـ”التلقيح والإخصاء”، رغم أهميتها الحقوقية والبيئية، إلا أن أثرها على أرض الواقع يظل ضعيفاً وبطيئاً أمام التكاثر المتسارع لهذه الحيوانات.
وتطالب الساكنة اليوم بضرورة خروج السلطات عن صمتها وضخ دينامية جديدة في هذا الملف عبر:
إحداث ملجأ إقليمي وتطويره: لتجميع هذه الكلاب وإبعادها بشكل نهائي عن المدار الحضري والأماكن الآهلة بالسكان.
توفير الإمكانيات اللوجستيكية: للفرق التقنية المكلفة بالتدخل السريع لإنهاء احتلال الكلاب للفضاء العام.
الموازنة بين الرفق بالحيوان وحق المواطن في الأمان: لضمان سلامة الساكنة وزوار المدينة دون الإخلال بالالتزامات الإنسانية والبيئية.
إن مدينة أكادير، بماضيها العريق وحاضرها المتجدد، تستحق واقعاً أفضل يليق بمكانتها الوطنية والدولية. إن إنهاء كابوس الكلاب الضالة لم يعد ترفاً أو مطلباً ثانوياً، بل هو استعجال تنموي يتطلب إرادة حقيقية وقرارات حاسمة لإعادة الطمأنينة لقلوب الساكنة والبريق لوجه المدينة الباسم.

