بقلم سلمى لوليدة
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي ومواقع بث الموسيقى مجرد مساحات للترفيه بين الشباب المغربي والجزائري، بل تحولت في الأيام الأخيرة إلى خنادق مواجهة مفتوحة، تجاوزت فيها لغة “الكلاشات” الفنية المعتادة لتلامس جمر الثوابت والرموز الوطنية. الشرارة هذه المرة كانت ثقيلة، بعد أن تعمد “رابور” جزائري توجيه إساءات مباشرة ومرفوضة لشخص جلالة الملك وللشعب المغربي؛ خطوة غير محسوبة العواقب حوّلت المشهد إلى غليان حقيقي، واستدعت رداً مغربياً زلزالياً لم يتأخر كثيراً.
بسرعة البرق، وتلبية لنداء “الغيرة الوطنية”، دخل رابور مغربي من العيار الثقيل على خط المواجهة. الرد لم يكن مجرد صراخ أو شتائم مرسلة، بل جاء في قالب “تراك” (Trak) احترافي، ومُدجج بالحقائق التاريخية والقوافي الحارقة التي نسفت ادعاءات الطرف الآخر.
هذا الرد المغربي تحول في ظرف ساعات قليلة إلى “نشيد رقمي” تداوله الملايين، محققاً أرقاماً قياسية في نسب المشاهدة والتفاعل، ومثبتاً أن سلاح الكلمة المغربية يظل الأقوى حين يتعلق الأمر بمس الكبرياء الوطني.
هذا الاحتقان الموسيقي سرعان ما انتقل كالنار في الهشيم ليلقي بظلاله على مجالات أخرى، وكان المجال الرياضي، وتحديداً كرة القدم، المتضرر الأكبر.
حيث تحولت الصفحات الرياضية الكبرى والمجموعات المهتمة بالكرة الأفريقية إلى حلبات “صراع تكتيكي” بين جماهير البلدين، حيث يتم توظيف أي مباراة أو مقارنة بين اللاعبين لتصفية الحسابات وإثبات الأفضلية.
كما أعاد هذا التوتر إحياء المقارنات التاريخية بين الإنجازات الكروية للمغرب والجزائر، وسط أجواء من الشحن الرقمي غير المسبوق الذي غصت به منصات مواقع التواصل الاجتماعي
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن هذه المعارك الرقمية لا تتعدى كونها زوبعة في فنجان العالم الافتراضي، يحذر مهتمون بالشأن الثقافي والاجتماعي من خطورة انزلاق لغة “الراب” إلى مستنقع السب والقذف ومس الرموز السيادية

إن تجاوز حدود التنافس الفني (The Beef) إلى سب الملوك والشعوب، يحول الفن من جسر للتواصل إلى أداة للهدم وتعميق الفجوة بين أبناء المغرب الكبير من قراءة سوسيولوجية للحدث.
تبقى الساعات القادمة حاسمة لمعرفة ما إذا كان صوت الحكمة سينتصر، أم أن الجيوش الإلكترونية ستستمر في النفخ في رماد هذه الحرب الفنية والرياضية، مستغلة “ميكروفونات طائشة” لتوسيع شق الخلاف.

