دعت وثيقة سياسية أعدتها مجلة «نبض المجتمع» الأحزاب والمرشحين للانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، إلى إدراج تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن برامجهم الانتخابية، والانتقال من مرحلة الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التمكين الفعلي والمناصفة مع العربية في التعليم والإعلام ومؤسسات الدولة والفضاء الرقمي.
وأكدت الوثيقة، المعنونة بـ«الأمازيغية في البرامج الانتخابية 2026.. من الاعتراف الدستوري إلى المناصفة الفعلية»، أن المرحلة المقبلة تتطلب سياسة عمومية واضحة تقوم على الفعالية والإنصاف والقياس وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تحديد آجال التنفيذ والميزانيات المرصودة والمؤشرات القابلة للتقييم.
وتأتي هذه الدعوة مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، التي حُدد موعد اقتراعها في 23 شتنبر الجاري.
وأشارت الوثيقة إلى أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 شكّل تحولاً تاريخياً في السياسة اللغوية المغربية، ورسّخ مبدأ اعتبار الأمازيغية والعربية لغتين رسميتين للدولة، باعتبارهما رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة.
غير أنها سجلت استمرار فجوة بين المكانة الدستورية للأمازيغية وحضورها الفعلي في الحياة العامة، رغم مرور 15 سنة على دسترتها وسبع سنوات على صدور القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل طابعها الرسمي وكيفيات إدماجها في التعليم ومجالات الحياة العامة ذات الأولوية.
واستحضرت الوثيقة نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، التي أظهرت، وفق المعطيات الواردة فيها، أن نسبة مستعملي الأمازيغية في الحياة اليومية بلغت 24.8 في المائة، مع تسجيل تفاوتات مجالية واجتماعية.
وتدعو الوثيقة، بناء على ذلك، إلى الانتقال من سؤال «هل تم الاعتراف بالأمازيغية؟» إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالتنفيذ، يتعلق بكيفية ضمان حضور متوازن لها مع العربية في المدرسة والإعلام والإدارة والمؤسسات والفضاء الرقمي.
وضعت الوثيقة قطاع التعليم في صدارة المداخل الكفيلة بضمان استمرارية الأمازيغية وانتقالها إلى الأجيال الجديدة، معتبرة أن اللغة التي لا تجد مكانا داخل المدرسة تواجه خطر تقلص استعمالها الاجتماعي، مهما كانت مكانتها الدستورية.
وتقترح في هذا الإطار تسريع تعميم تدريس الأمازيغية في مؤسسات التعليم العمومي والخصوصي، وضمان استفادة جميع التلاميذ منها، مع وضع رزنامة زمنية واضحة لاستكمال التعميم وتطوير تدريسها في التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي.
كما تدعو إلى إنتاج الكتب المدرسية والموارد الرقمية بالأمازيغية، وتطوير المناهج، وإدماج الثقافة الأمازيغية ضمن المقررات الوطنية، إلى جانب تعزيز التكوين اللغوي للمدرسين.
وتشدد الوثيقة على أن المناصفة داخل المدرسة لا تعني إضعاف مكانة العربية، بل بناء نموذج تعليمي يجعل العربية والأمازيغية ركيزتين لغويتين أساسيتين، باعتبارهما لغتين رسميتين للدولة.
وتطالب، في السياق ذاته، برفع عدد المناصب المخصصة لمدرسي الأمازيغية، وإطلاق برنامج وطني لتكوينهم، وتطوير التكوين الجامعي المتخصص، وتوفير التكوين المستمر، وتحسين الظروف المهنية للأطر العاملة في هذا المجال.
ودعت الوثيقة إلى تعزيز الدور الاستراتيجي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتمكينه من المساهمة بشكل أكبر في إعداد وتنفيذ السياسة اللغوية الوطنية المرتبطة بالأمازيغية، بالنظر إلى الخبرة التي راكمها في مجالات اللغة والثقافة والبحث والتخطيط.
وتقترح تعزيز التعاون بين المعهد وقطاعات التعليم والإعلام والثقافة والاتصال والرقمنة، والاستفادة من خبرة الباحثين والخبراء في إعداد المناهج والمصطلحات والموارد التعليمية والإعلامية.
كما تدعو إلى تطوير المعاجم والمصطلحات العلمية والتقنية، وتوحيد الموارد اللغوية، والبحث في التنوعات الأمازيغية، وإعداد الدراسات المرتبطة باستعمال اللغة وتطوير مواردها الرقمية.
وتقترح الوثيقة إطلاق برنامج وطني للذكاء الاصطناعي، بشراكة بين المعهد والجامعات والقطاعين العام والخاص، يركز على بناء قواعد بيانات لغوية أمازيغية، وتطوير تقنيات التعرف على الكلام وتحويله إلى نص، والنماذج اللغوية، والترجمة الآلية، والتطبيقات التعليمية الرقمية.
واعتبرت الوثيقة أن الإعلام يشكل رافعة أساسية لمنح الأمازيغية الانتشار والشرعية الاجتماعية والقدرة على مواكبة الحياة اليومية، داعية إلى تجاوز حضورها المحدود داخل الإعلام العمومي.
وتقترح رفع حجم الإنتاج الأصلي بالأمازيغية، وتطوير نشرات إخبارية يومية، وتعزيز البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتربوية، فضلاً عن تطوير الصحافة الاستقصائية وإنتاج برامج موجهة للأطفال والشباب وتقوية الإعلام الجهوي.
كما تطالب باعتماد مؤشرات واضحة لقياس حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي، تشمل زمن البث، وحجم الإنتاج الأصلي، وعدد البرامج، ونسبة الأخبار، والإنتاج الجهوي، والموارد البشرية، والميزانية المرصودة للمحتوى الأمازيغي.
وبخصوص الصحافة الخاصة، تقترح الوثيقة وضع آليات لدعم المقاولات المنتجة للمحتوى الأمازيغي، وتشجيع الصحافة الإلكترونية والجهوية، وتطوير التكوين الصحافي، ودعم التحقيقات والربورتاجات والوثائقيات والبودكاست، على أساس معايير مهنية وشفافة بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الإدارية.
وتعتبر الوثيقة أن المجال الرقمي يمثل فرصة تاريخية أمام الأمازيغية، بالنظر إلى تنامي اعتماد الأجيال الجديدة على الهاتف والمنصات الرقمية في استهلاك المحتوى.
وتدعو إلى إطلاق برنامج وطني للأمازيغية الرقمية، يشمل دعم صناع المحتوى، وإنشاء منصات رقمية، وإنتاج محتوى موجه للأطفال والشباب، وتشجيع البودكاست، وتطوير التطبيقات والألعاب التعليمية، ورقمنة الأرشيف والكتب، وإعداد القواميس الرقمية.
كما تقترح إدماج الأمازيغية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن مستقبل اللغة لا يرتبط فقط بحضورها في الكتب والمقررات، بل أيضاً بقدرتها على الاندماج في التكنولوجيا وأدوات التواصل الحديثة.
وتدعو الوثيقة الأحزاب والمرشحين إلى تقديم التزامات واضحة بشأن تعميم تدريس الأمازيغية، وتوفير المدرسين، وتطوير المناهج، ودعم البحث العلمي والتعليم العالي، وتعزيز حضور اللغة في المؤسسات والإدارة والإعلام والفضاء الرقمي.
كما تقترح نشر تقرير وطني سنوي حول وضعية اللغتين الرسميتين، يتضمن مؤشرات مرتبطة بنسبة التلاميذ المستفيدين من تدريس الأمازيغية، وعدد المدرسين ونسبة التغطية، والمسالك الجامعية، وحجم الإنتاج الإعلامي، وعدد المقاولات المنتجة للمحتوى الأمازيغي، وحجم الموارد الرقمية والتطبيقات الذكية.
وتشمل المؤشرات المقترحة أيضاً عدد الدراسات والأبحاث والكتب والمنشورات، وتطور استعمال الأمازيغية بين السكان، فضلاً عن الاعتمادات المالية المرصودة والمنفذة.
خلصت الوثيقة إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي تجاوز التدبير القطاعي للأمازيغية، واعتماد استراتيجية وطنية للمناصفة اللغوية والتمييز الإيجابي، تجمع بين التعليم والإعلام والثقافة والقضاء والإدارة والبحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وأكدت أن التعليم والإعلام يظلان المجالين الأكثر حساسية في هذا المسار، باعتبار أن المدرسة تضمن انتقال اللغة إلى الأجيال الجديدة، بينما يمنحها الإعلام حضوراً يومياً داخل المجتمع.
ودعت مجلة «نبض المجتمع» الأحزاب إلى تقديم تصور واضح لمستقبل السياسة اللغوية الوطنية، لا يكتفي بإعلان دعم الأمازيغية، بل يحدد الإجراءات والآجال والميزانيات ومؤشرات التقييم الكفيلة بتحقيق المناصفة الفعلية بين اللغتين الرسميتين خلال الولاية التشريعية المقبلة.

