في وقت تتكاثف فيه الجهود الوطنية لتنزيل الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي نادى بها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وعلى رأسها إرساء ركائز “الدولة الاجتماعية” وتعميم التغطية الصحية الشاملة، شهدت الدورة العادية لمجلس جهة سوس ماسة انتكاسة سياسية ومؤسساتية خطيرة كشفت زيف الخطابات التنموية لبعض المنتخبين.
ففي مشاهد كرست منطق المزايدات الضيقة وتقديم الحسابات الشخصية على المصلحة العليا للوطن وللساكنة، قاد بعض نواب رئيس الجهة حملة تحريض ممنهجة ضد حزمة الاتفاقيات الـ19 المدرجة في جدول الأعمال، ممارسين ضغوطاً مكثفة على أعضاء وفريقي حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال لدفعهما إلى مقاطعة الجلسة والامتناع عن التصويت وإفشال النصاب القانوني بدلاً من الاصطفاف خلف قضايا المواطنين حاسمة الأهمية.
ولعل المفارقة الصارخة والتناقض الأكبر في هذه النازلة يتجليان في كون التحريض يستهدف بالأساس اتفاقيتين تنمويتين حيويتين تهمان إقليم تارودانت، وهو الإقليم الذي ينتمي إليه بالذات النائب الثاني لرئيس الجهة وتعود إدارة مجالسه ومصالحه إلى نفس حزبه. فبدلاً من أن يكون المدافع الأول عن حقوق ساكنته في التنمية وفك العزلة وتوفير البنيات التحتية، اختار لعب دور حجر العثرة وقيادة عصيان تنظيمي يضرب توجيهات قيادته الحزبية والسياسية بعرض الحائط.
ولم تتوقف هذه السلوكيات غير المسؤولة عند عرقلة تنمية تارودانت والمناطق القروية المجاورة، بل تطاولت لتشمل مشاريع سيادية ذات أولوية وطنية قصوى، وعلى رأسها اتفاقيات تنزيل ورش الحماية الاجتماعية ودعم المنظومة الصحية، وفي مقدمتها توفير التجهيزات الطبية ومراكز تصفية الدم لمرضى القصور الكلوي والفئات الهشة، إضافة إلى اتفاقيات تهم إحداث المناطق الصناعية لتشغيل الشباب.
إن هذا الهروب الفاضح ونمط التسيير العبثي الذي انتهجه هؤلاء النواب عند مواجهة أول امتحان للمسؤولية والمواطنة لم ينتهِ فقط بعزلهم سياسياً وشعبياً أمام وعي بقية الأعضاء الذين اختاروا الانحياز للمواطن والوطن بالحضور والتصويت، بل يضع الأحزاب المعنية أمام محك حقيقي لمساءلة هؤلاء المنتخبين وزجر هذه الممارسات التي تسيء إلى العمل الحزبي وتعرقل التوجيهات الملكية السامية، مؤكدة أن منطق “عليّ وعلى أعدائي” لا مكان له عندما يتعلق الأمر بقوت اليوم وبصحة الساكنة وبمستقبل التنمية المستدامة لجهة سوس ماسة.

