محمد العماري //
في هذا اليوم الذي تحتفل فيه الشعوب بالأمهات، حيث تُهدى الزهور وتُكتب القصائد وتُقال كلمات الحب، نقف عاجزين أمام صورة أم فلسطينية تحتضن أطفالها وسط الركام، وثوبها الملطخ بالدم يحكي قصة لا تجد مكانًا في بطاقات المعايدة ولا في برامج التلفاز.
الأم الفلسطينية ليست ككل الأمهات. إنها تحمل في قلبها وطناً، وفي عينيها دمعاً لا يجف، وفي حضنها أطفالاً تحاول انتزاعهم من بين أنياب الموت. إنها الأم التي لا تعرف معنى الراحة، ولا تعرف طعم الأمان. كل يوم من أيامها هو معركة من أجل البقاء، وكل ليلة من لياليها امتحان للصبر والرجاء.
كيف نحتفل بعيد الأم، وهناك أمهات يدفنّ أبناءهن بأيديهن، ويمسحن التراب عن وجوههم الصغيرة وكأنهن يعدن ترتيب ملامح الوداع الأخير؟ كيف نهنئ بالعيد نساءً لم يعرفن طعم العيد منذ سنوات، لأن كل عيد يمر عليهن ناقصًا، مكلومًا، موشوماً بصورة شهيد أو صدى غائب؟ كيف نكتب “كل عام وأنتِ بخير” لأم كسرت الحروب قلبها، وشوّهت القذائف ذاكرة بيتها، وأخذت من حضنها فلذات كبدها واحدًا تلو الآخر، دون أن تمنحها حتى فرصة الفقد كما يجب؟ كيف نكتب هذه الجملة العابرة لأم لا تعرف أين ولدها: هل هو في زنزانة معتمة؟ أم تحت الأنقاض؟ أم دفن دون اسم في مقبرة جماعية؟ روحها معلّقة ما بين الرجاء واليأس، بين الانتظار الذي لا ينتهي والحقيقة التي لا تأتي.
إنّها ليست أمًا تنتظر هدية ولا رسالة ولا وردة، بل تنتظر خبرًا عن ابنها، صورة، أثرًا، تنتظر عدالة غائبة وصمتًا دوليًا يخنقها أكثر من القصف. هذه الأم لا تملك رفاهية الاحتفال، لأنها تحيا في معركة مستمرة، لا تضع فيها سلاحها: سلاحها هو صبرها، ودموعها، وذاك الدعاء الخافت في الليالي الطويلة
تحية لكِ أيتها الأم الفلسطينية، أيتها السيدة الجليلة التي وقفت شامخة في وجه كل عاصفة، والتي علّمتِ العالم بأسره أن الصمود ليس مجرد خيار، بل قدر من يعرف أن الأرض عرضه، وأن الوطن لا يُهدى، بل يُحمى بالدم والدموع. أنتِ التي حوّلتِ الدموع إلى صلاة ترتفع في ليل الحصار، وجعلتِ من حزنكِ نارًا تشعل فينا الوعي والكرامة، لستِ كأي أم، لأنكِ وُلدتِ في زمن الشظايا، وربّيتِ أبناءكِ بين الحروب والجدران والمعابر المغلقة، وكنتِ دائمًا جبلاً لا ينحني، حتى وإن تهدّم كل ما حولكِ.
لستِ بحاجة إلى عيدٍ يأتيكِ من تقويم الآخرين، فأنتِ العيد كلّه، وأنتِ المناسبة التي تليق بها كل الفصول، لأنكِ تختصرين في خطواتكِ الجريحة سيرة وطنٍ بأكمله. لا تكفيكِ الكلمات، ولا تفيكِ القصائد، لأنكِ لستِ فقط أمًا أنجبت، بل أمًا حمت، وربّت، ودفعت، وانتظرت، وصبرت، وبكت، ثم عادت لتقف من جديد. أنتِ الفخر حين يغيب الفخر، وأنتِ الكرامة حين تُباع الكرامة، وأنتِ الوجه الأصدق للأمومة، تلك الأمومة التي لا تُقاس بعدد الهدايا، بل بعدد الأحزان التي حوّلتها إلى أمل. أنتِ الأيقونة التي تُعلّمنا أن الأمومة ليست حنانًا فقط، بل مقاومة، وثورة، واستمرار للحياة رغم أنف الموت.

