
يُجمع الدارسون والمهتمون بالشأن التربوي على أن التعليم الأولي ليس مجرد مرحلة عابرة في مسار الطفل، بل هو الصخرة الصلبة التي تُبنى عليها سائر لبنات التحصيل الدراسي، والبوابة الأساسية للحد من آفة الهدر المدرسي والتعثر المبكر. غير أن المفارقة الصارخة التي ظلت تؤرق هذا القطاع الحيوي بالمغرب، هي المفارقة القائمة بين محورية الدور التربوي وجسامة التضحيات من جهة، وهشاشة الوضعية المهنية والاجتماعية للعاملات والعاملين فيه من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد، تحولت معاناة “جنود الخفاء” في قطاع التعليم الأولي إلى مادة دسمة للنقاش الجدي داخل قبة البرلمان، إثر تحرك برلماني نوعي يترجم نبض الميدان وهموم القاعدة.
لم يكن السؤال الكتابي الذي تقدم به فريق حزب الاستقلال للوحدة والتعادلية، بصوت البرلمانية كنزة قيوح، موجها إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني مجرد مبادرة روتينية، بل جاء وليد لقاءات ميدانية مباشرة جمعت البرلمانية بالمربيات والمربين خلال الحملة الانتخابية.
حينها أنصتت قيوح باهتمام بالغ لقصص المعاناة اليومية، وتأثرت بعمق لواقع معيشي ومهني لا يمت بصلة لحجم المسؤوليات الملقاة على عواتق هؤلاء المربون والمربيات. ومن هنا، جاء هذا السؤال الكتابي كترجمة وفية لالتزام أخلاقي وسياسي بجعل قضايا هذه الفئة في صدارة الاهتمامات التشريعية، وكسر جدار الصمت الذي طالما لفّ هذا الملف الاجتماعي الحارق.
وقد سلط السؤال البرلماني الضوء على جملة من التحديات الكبرى التي تنخر جسد التعليم الأولي وتستوجب تدخلا عاجلا وحازما من الحكومة، تتمثل أساسا في محدودية الأجور والتعويضات التي لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم وتتناقض تماما مع حجم الجهد المبذول، إلى جانب غياب الحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي واستمرار حالة اللاتأمين والهشاشة التعاقدية. كما نبه السؤال إلى ضرورة مواجهة تداخل المهام والمسؤوليات، عبر الفصل الواضح بين المهام التربوية البحتة وأي أعباء إضافية، بما يحفظ كرامة المربيات والمربين ويسمح لهم بالتفرغ الكلي لرسالتهم النبيلة.
وختم الفريق الاستقلالي سؤاله بنداء قوي ومباشر للحكومة، يطالبها بالكشف الواضح عن رؤيتها المستقبلية لإدماج مربيات ومربين التعليم الأولي ضمن المنظومة التربوية الوطنية بشكل منصف وشمولي، مع ضرورة وضع جدولة زمنية واضحة المعالم تحول المطالب الحقوقية والمشروعة لهذه الفئة إلى إجراءات عملية وملموسة على أرض الواقع، تكريسا لمبدأ الإنصاف والاعتراف ورد الاعتبار لمن هم أساس كل إصلاح تربوي منشود.
