في مشهد يتكرر مع كل محطة سياسية أو نقابية، تتجلى بوضوح مظاهر الاستغلال العارضة لآلام الشغيلة ومتطلبات القطاعات الحيوية، وكان آخر هذه الصور ما شهدته الوقفة الاحتجاجية لقطاع السياحة التي دعت إليها الفيدرالية الديمقراطية للشغل. حيث تحولت المطالب المشروعة لمهنيي النقل والسائقي الكبار إلى مجرد حطب يُحرق في أتون معارك نقابية لا تمتّ لواقعهم بصلة.
إن ما حدث لا يمكن وصفه سوى بـ “المهزلة بكل المعايير”؛ مهزلة تتجلى في تحريف بوصلة النضال النقابي من الدفاع الحقيقي عن مصالح أرباب وسائقي النقل السياحي، الذين يكابدون تبعات الأزمات المتتالية وتحديات المعيشة، إلى جعلهم غطاءً لتصفية حسابات ضيقة وترجيح كفتين على حساب كرامة العاملين بالقطاع.
استغلال معاناة السائقين لتحقيق مآرب خاصة
يجد مهنيو النقل أنفسهم اليوم بين سندان غلاء المعيشة والتكاليف التشغيلية الرهيبة، ومطرقة التنظيمات النقابية التي تجعل منهم مجرد أعداد لتأثيث مشاهد الاحتجاج. إن حشد أصحاب النقل في وقفة قطاع السياحة لم يكن يستهدف معالجة الإشكالات الهيكلية التي يعاني منها القطاع—من قبيل التغطية الصحية، تسوية الوضعيات القانونية، ومواجهة المنافسة غير الشريفة—بل كان الهدف الأول هو إبراز القوة والتجييش الإعلامي على حساب وقت المهنيين وقوت يومهم.
غياب الرؤية وتغييب التراكم الفعلي
تظهر المهزلة أيضاً في الغياب التام لبرنامج مطلب متكامل يصون كرامة سائقي وأرباب النقل . فالشعارات المرفوعة خلال الوقفة اتسمت بالعمومية والسطحية، وافتقرت إلى مقترحات حلول عملية تراعي الخصوصية الحساسة لقطاع السياحة كرافعة اقتصادية وطنية. وبدلاً من الجلوس إلى طاولة الحوار بطروحات وازنة، فُرضت على السائقين مشاركة صورية تُكرس التبعية وتخدم الأجندات التنظيمية للفيدرالية على حساب الأولويات الفعلية للقطاع.
نحو وعي مهني يقطع مع الاستغلال
إن المرحلة الحالية تتطلب من مهنيي وسائقي النقل الوقفة تأمل مراجعة للذات، للتمييز بين العمل النقابي الجاد والمستقل الذي يستهدف المصلحة العامة للمهنة، وبين الممارسات التي تستغل معاناتهم للركوب عليها. فالنهوض بقطاع النقل السياحي لن يتحقق من خلال استعراضات القوة الميدانية التي تغيب عنها المصداقية، بل عبر تنظيم مهني قوي وواعي يرفض أن تكون كرامة شغيلته ورقة للضغط أو المزايدة في المعارك النقابية.

