لم تكن استقالة السعيد أمسكان، الوزير السابق والبرلماني المخضرم وأحد أبرز الوجوه التاريخية لحزب الحركة الشعبية، مجرد إعلان عن مغادرة تنظيم سياسي، بل جاءت في صيغة رسالة سياسية قوية، حملت انتقادات مباشرة لطريقة تدبير الحزب لملف الترشيحات، وخصوصا بإقليم ورزازات.
فبعد ما يقارب خمسة عقود قضاها داخل الحركة الشعبية، قرر أمسكان وضع حد لمساره داخل الحزب، معلنا استقالته من الحزب ومن هياكله، ومن رئاسة مجلس الحكماء، ومن مختلف المسؤوليات المرتبطة به، مؤكدا أن القرار لم يكن سهلا ولا اتُخذ عن رغبة أو رغد، وإنما جاء، وفق تعبيره، نتيجة تراكمات وشعور بالإهانة والإقصاء.
أهمية استقالة أمسكان لا ترتبط فقط بموقعه السياسي السابق، وإنما أيضا بالرمزية التي يمثلها داخل الحركة الشعبية.
فالرجل قضى عقودا في صفوف الحزب، وظل وفيا له رغم التحولات والخلافات التي عرفها، ولم يختر الانتقال إلى حزب آخر بحثا عن موقع أو امتياز. كما كان من الوجوه التي ساندت القيادة السابقة للحزب في مراحل صعبة، إلى جانب الراحل مولاي علي.
اليوم، يغادر أحد أبرز شهود تاريخ الحركة الشعبية، لكنه لا يغادر بصمت. في رسالة الاستقالة التي توصل بها الموقع تكشف عن غضب عميق تجاه الطريقة التي تم بها تدبير ملف ورزازات، حيث انتقد أمسكان ما وصفه بـ«التدليس والمراوغات»، متسائلا عن المعايير التي تم اعتمادها لاختيار المرشحين، وعن الجهات التي شاركت في اتخاذ القرار.
القضية المركزية في استقالة أمسكان هي ورزازات ، فالرجل يعتبر الإقليم واحدا من المعاقل التاريخية للحركة الشعبية، ويؤكد أن التعامل معه لا يمكن أن يتم بمنطق إداري أو انتخابي عابر، بالنظر إلى خصوصية المنطقة وتركيبتها الاجتماعية والقبلية وتاريخها داخل الحزب.
كما عبّر عن استغرابه من عدم استشارة الكاتب الإقليمي للحزب، مستندا إلى المادة 29 من القانون الأساسي، ومن عدم إشراك مجلس الحكماء في ملف يعتبره حساسا، فضلا عن عدم انتقال لجنة الترشيحات إلى عين المكان للاستماع إلى المنتخبين والمسؤولين الحركيين المحليين.
وبالنسبة إلى أمسكان، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمن سيحمل اسم الحركة الشعبية في الاستحقاقات المقبلة، وإنما بكيفية اتخاذ القرار ومن يملك حق التأثير فيه
فالسؤال الذي تطرحه استقالة أمسكان هو: لماذا تحولت ورزازات إلى نقطة خلاف حادة داخل الحركة الشعبية؟
أمسكان نفسه يقدم جزءا من الإجابة، حين يستحضر التاريخ الطويل للحركة في الإقليم، ويذكر بأن أول مؤتمر للحزب انعقد سنة 1957 بورزازات، قبل أن تعرف المنطقة صدامات سياسية قوية مع الخصوم.
ومن هنا تأتي لهجة الرجل الحادة حين يعتبر أن من غير المقبول أن تدخل الحركة الشعبية إلى الانتخابات في أحد معاقلها التاريخية دون مرشح يرى أنه قادر على المنافسة.
فالحركة الشعبية مقبلة على محطة انتخابية حاسمة، وأي خلافات داخلية في هذه المرحلة قد تتحول إلى تكلفة انتخابية، خصوصا إذا مست القيادات والمنتخبين المحليين.
رحيل «الحكيم» بهذه الطريقة قد يُقرأ باعتباره مؤشرا على اتساع الهوة بين جزء من القيادات التاريخية وبين طريقة تدبير القرار داخل الحزب.
ومن هنا، فإن الحديث عن «بداية انهيار» الحركة الشعبية قد لا يكون سابقا لأوانه، لكن المؤكد أن استقالة أمسكان تمثل إنذارا سياسيا وتنظيميا قويا لقيادة الحزب، خصوصا إذا لم تنجح في احتواء تداعياتها.
وأين يقف امحند العنصر؟
وسط كل هذه الأسئلة، يبرز اسم امحند العنصر، الأمين العام السابق للحركة الشعبية، الذي ارتبط بأمسكان بعلاقة سياسية طويلة، وكان الرجل من أبرز مسانديه في مراحل سابقة من تاريخ الحزب.
وهنا يطرح الحركيون سؤالا آخر: هل للعنصر موقف من استقالة رفيق عمره السياسي؟
هل سيتدخل لمحاولة تقريب وجهات النظر واحتواء الأزمة، أم أن التطورات وصلت إلى مستوى أصبحت معه الاستقالة أمرا واقعا؟
الأمر اللافت أن أمسكان ذكر العنصر في رسالته عند حديثه عن ملفات الترشيحات، في إشارة إلى أن قيادات أخرى، بحسب قراءته، يتم التعامل معها بمنطق مختلف، بينما ظل ملف ورزازات، في نظره، خارج هذا السياق.
هده الاستقالة تضع الأمين العام محمد أوزين أمام اختبار سياسي وتنظيمي حقيقي.
فالرجل الذي يقود الحركة الشعبية في مرحلة الاستعداد للانتخابات المقبلة سيكون مطالبا ليس فقط بإدارة ملف الترشيحات، وإنما بالحفاظ على تماسك القواعد والقيادات التاريخية، خصوصا في المناطق التي تعتبر خزانات انتخابية للحزب.
وإذا كانت الخلافات السياسية أمرا عاديا داخل الأحزاب، فإن وصولها إلى حد مغادرة أحد أبرز حكماء الحزب بعد نحو خمسين عاما من النضال، يجعل احتواء الوضع أكثر إلحاحا
السعيد أمسكان ختم رسالته بعبارات شديدة اللهجة، مؤكدا أنه لا يؤمن بالانبطاح أو الخضوع أو المساومات، وأنه يفضل الرحيل على الاستمرار في ما وصفه بـ«العبث» الذي يعيشه الحزب.
وبذلك، لم يغادر أمسكان الحركة الشعبية فقط، بل ترك وراءه ملفا مفتوحا وأسئلة ثقيلة حول مستقبل الحزب وطريقة اتخاذ القرار داخله.
فهل تكون استقالة «الحكيم» مجرد خلاف عابر ينتهي بتدخل العقلاء؟ أم أنها بداية لنزيف سياسي داخل الحركة الشعبية، خصوصا إذا قررت أسماء أخرى من القيادات التاريخية مراجعة علاقتها بالحزب؟
الجواب لن يتأخر كثيرا، لأن ورزازات قد تكون هذه المرة أكثر من مجرد معركة حول مرشح… قد تكون اختبارا حقيقيا لوحدة الحركة الشعبية وقدرتها على الحفاظ على بيتها الداخلي.

