إن ما حدث في تارودانت بمناسبة انعقاد دورة أكتوبر لمجلس جهة سوس ماسة لا ينبغي اختزاله في مجرد صراع بين أغلبية ومعارضة، أو في مناورة مرتبطة بحسابات حزبية ضيقة، لأن تداعيات تعثر أشغال المجلس تتجاوز حدود الخلاف السياسي لتلامس مباشرة انتظارات ساكنة الجهة ومصالحها التنموية.
فكل موعد مؤسساتي لا ينعقد أو يتعثر بسبب غياب المنتخبين يطرح سؤالًا مشروعًا حول كلفة الخلافات السياسية على الزمن التنموي. فهناك مشاريع تنتظر التنزيل، وطرق تحتاج إلى التأهيل، ومرافق صحية واجتماعية في حاجة إلى التجهيز، وبرامج يُفترض أن تفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب والاستثمار.
السياسة، في جوهرها، ليست مجرد حسابات مرتبطة بالحضور والغياب، بل مسؤولية وتمثيل ومرافعة داخل المؤسسات. وإذا كان الاختلاف السياسي أمرًا طبيعيًا، فإن مكانه الطبيعي هو قاعة المجلس، حيث تُطرح المواقف وتُناقش الملفات وتُقدم البدائل، لا أن تتحول الخلافات إلى تعطيل لمسار مؤسساتي ينتظر منه المواطن نتائج ملموسة.
إن قوة المنتخب لا تقاس فقط بقدرته على التأثير خارج القاعة، وإنما أيضًا بقدرته على الحضور والمواجهة السياسية والمؤسساتية، والدفاع عن قضايا الساكنة بالحجة والبدائل والمقترحات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تفرضه واقعة تارودانت واضحًا: إلى أي حد يمكن أن تتحمل التنمية الجهوية كلفة الحسابات السياسية، ومن يتحمل مسؤولية الوقت الذي يضيع من عمر المشاريع وانتظارات المواطنين؟
فالمواطن لا ينتظر صراعًا حول الكراسي، بقدر ما ينتظر قرارات تُترجم الوعود إلى مشاريع، والخلافات إلى بدائل، والتمثيلية الانتخابية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

